facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الانقلاب الأخلاقي .. عندما يصبح الخطأ قاعدة والصواب استثناءً


د. إبراهيم الخلوف الملكاوي
06-02-2026 12:05 PM

لم تعد الأزمة الأخلاقية التي نعيشها اليوم مجرد تراجع في السلوك أو ضعف في الالتزام بالقيم، بل تجاوزت ذلك إلى ما يمكن وصفه بـ الانقلاب الأخلاقي؛ حالة معكوسة تنقلب فيها المعايير، فيُكافأ الخطأ، ويُحاصَر الصواب، ويُنظر إلى النزاهة بوصفها عبئًا لا فضيلة.

في هذا الانقلاب، لا يختفي الخطأ خجلًا، بل يتقدم بثقة، محاطًا بالتبرير والحماية. تُرفع شعارات الأخلاق في الخطابات، بينما تُفرَّغ من مضمونها في الممارسة. تُكتب القوانين بلغة مثالية، ثم تُدار بعقلية انتقائية مبنية على الاستثناء ليصبح الاستثناء هو الاصل. وهنا تبدأ القيم بفقدان معناها، لا لأنها خاطئة، بل لأنها لم تعد مُلزمة.

الأخطر في الانقلاب الأخلاقي أنه لا يُفرض فجأة، ولا يأتي عبر قرار رسمي، بل يتسلل تدريجيًا إلى الوعي العام. يبدأ بتبرير الاستثناء، ثم توسيعه، ثم تحويله إلى قاعدة. يصبح الكذب "دبلوماسية"، والمحسوبية "علاقات"، والفساد "تسيير أمور". ومع الوقت، يُعاد تعريف النجاح لا بوصفه إنجازًا نزيهًا، بل قدرة على الالتفاف، والنجاة، والوصول بأي وسيلة.

في هذا المناخ، تتعرض الأخلاق لحملة تشويه ناعمة. يُصوَّر الملتزم بالقيم على أنه ساذج أو غير واقعي، وكثيرا ما يقال عنه "حنبلي"، او "جدي يزايده عن اللازم" بينما يُقدَّم المتجاوز لها كنموذج للذكاء والحنكة "شطارة". وهكذا، لا يُعاقَب السلوك الأخلاقي فقط، بل يُسخَر منه. ويصبح السؤال المؤلم: لماذا يلتزم الإنسان بالقيم إذا كان ثمن الالتزام هو التهميش، وثمن التجاوز هو المكافأة؟.

الانقلاب الأخلاقي لا يدمّر الأفراد فقط، بل يضرب الثقة العامة في مقتل. حين يفقد المواطن ثقته بعدالة الفرص، ونزاهة القرار، وصدق الخطاب، ينسحب تدريجيًا من المجال العام. بعضهم يختار الصمت، وبعضهم يختار التكيّف، وقلة فقط تصرّ على المقاومة. وفي كل الحالات، تخسر الدولة والمجتمع معًا.

ولعل أخطر نتائج هذا الانقلاب هو تطبيع الخطأ "استمراء الخطأ" حين لا يعود الفساد صادمًا، ولا الظلم مثيرًا للغضب، ولا التناقض الأخلاقي مدعاة للأسئلة. عندها لا يكون الخلل في القوانين أو الأنظمة فقط، بل في الضمير الجمعي الذي اعتاد المشهد، وتعايش معه، وربما دافع عنه.

لا يمكن لمجتمع أن ينهض وهو يدير ظهره لأخلاقياته. فالتنمية لا تقوم على الأرقام وحدها، والاستقرار لا تصنعه القبضة فقط، والمؤسسات لا تحيا بالهياكل دون القيم. كل تجربة تاريخية أثبتت أن غياب الأخلاق لا يؤدي إلى الانهيار الفوري، بل إلى تآكل بطيء، صامت، وخطير.

مواجهة الانقلاب الأخلاقي لا تبدأ بالمواعظ ولا بالشعارات، بل بإعادة الربط بين القيمة والمساءلة، بين المنصب والمسؤولية، وبين الخطاب والممارسة. تبدأ حين تصبح الأخلاق معيارًا للترقية لا عائقًا أمامها، وحين يُكافأ الصادق لا المراوغ، ويُحمى الملتزم لا المُتحايل.

في النهاية، السؤال ليس أخلاقيًا فقط، بل وجودي: هل نريد مجتمعات تُدار بالقيم أم تُدار بالمصالح؟ الفرق بين الخيارين ليس في الخطاب، بل في المستقبل الذي نختاره، وفي الثمن الذي سندفعه، عاجلًا أم آجلًا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :