facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من “معهد الادارة” إلى “اكاديمية الادارة”: لماذا؟


د. صالح سليم الحموري
08-02-2026 07:47 AM

تتداول بعض الأطراف فكرة تحويل معهد الإدارة العامة الأردني إلى “الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية”. ورغم أن هذا التحول قد يبدو جذّابًا من زاوية الصورة والهوية المؤسسية، إلا أن القيمة الحقيقية في أي إصلاح إداري لا تكمن في الاسم، بل في الوظيفة، ونموذج الحوكمة، والاعتماد، وطريقة بناء القيادات وصناعة السياسات.

يُعد معهد الإدارة العامة في الأردن من المؤسسات الرائدة إقليميًا؛ إذ انطلقت مسيرته عام 1968 كمؤسسة تُعنى بالتدريب وبناء القدرات، وإجراء الدراسات والبحوث، وتقديم الاستشارات في مجالات الإدارة العامة. وقد اضطلع بدور مهم في إعداد أجيال من موظفي وقيادات القطاع العام، وأسهم في دعم كفاءة الجهاز الحكومي على مدى عقود.

هذه الوظائف الأربع—التدريب، وبناء القدرات، والبحث والدراسات، والاستشارات—هي في جوهرها وظائف “مدرسة حكومة” حديثة. غير أن الفارق الجوهري، كما تُظهر التجارب العالمية، لا يكمن في تعدد الوظائف بحد ذاتها، بل في درجة المؤسسية التي تُمارس من خلالها. فالسؤال الحقيقي هو:

هل لدينا برامج ممنهجة ذات مسارات قيادية واضحة؟
هل توجد شراكات أكاديمية واعتماد مهني أو علمي؟
هل يُقاس الأثر على الأداء الحكومي؟
وهل تتوافر منظومة مستقرة من الخبراء وهيئات التدريس؟
أم أننا ما زلنا نعمل ضمن منطق حزم تدريبية متفرقة؟

كما أن النقاش العام حول “الأكاديمية”، وفق ما نُشر إعلاميًا، يوحي بأن التوجه الجديد قد لا يُلغي المعهد، أو قد يُبقيه ضمن ترتيبات مؤسسية مختلفة. وهذا يفتح سؤالًا مشروعًا: إذا كان الهدف هو رفع الأثر الحقيقي لبناء القدرات الحكومية، فلماذا نستهلك الجهد في طبقات من المسميات، بدل الارتقاء بالوظيفة نفسها؟

وقد أعاد النقاش الرسمي الأخير حول إنشاء الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية تسليط الضوء على هذا السؤال الجوهري. إذ قدّمت التصريحات الحكومية تشخيصًا صريحًا لواقع التدريب في القطاع العام، حين أشارت إلى أن النموذج الحالي، رغم أهميته، لا يصل سنويًا إلا إلى نحو 20% من موظفي الجهاز الحكومي، وأن الموظف يخضع في المتوسط لدورة تدريبية واحدة كل عامين، دون تراكم معرفي فعلي أو ارتباط واضح بالمسارات المهنية.

هذا الاعتراف لا يُعد نقطة ضعف، بل يُحسب لصالح مسار الإصلاح، لأنه يؤكد أن التحدي لم يعد في الجهد أو النوايا، بل في نموذج بناء القدرات نفسه، وفي الحاجة إلى انتقال نوعي من التدريب إلى التعليم القيادي وصناعة السياسات.

كما أن الخطاب الرسمي لم يكتفِ بنقد الواقع، بل طرح رؤية طموحة للانتقال من مفهوم “الدورات التدريبية” إلى منظومة وطنية متكاملة لبناء القدرات، تقوم على مسارات تطوير مهني تراكمية، ومعايير وطنية مرجعية، وشراكات مع الجامعات والقطاع الخاص، وتوظيف التقنيات الحديثة في التعلّم وصناعة السياسات. وهو طرح يعكس فهمًا متقدمًا لطبيعة التحديات التي تواجه الحكومات الحديثة.

غير أن السؤال الذي يظل مطروحًا بهدوء هو:
هل يُترجم هذا الطموح المؤسسي الكبير على النحو الأمثل من خلال “أكاديمية” تدريبية مطوّرة، أم أن المرحلة تستدعي الانتقال إلى نموذج مؤسسي أعمق؟

في التجارب العالمية، لم تُبنَ القدرات الحكومية المستدامة عبر مراكز تدريب، مهما بلغت درجة تطورها، بل عبر مدارس وكليات للإدارة الحكومية والسياسات العامة. فهذه المؤسسات لا تدرّب فقط، بل تُعلّم، وتبحث، وتنتج معرفة تطبيقية، وتبني قيادات قادرة على العمل في بيئات معقدة ومتغيرة، كما تشكّل مرجعًا فكريًا وعمليًا لصانع القرار.

وتبرز في هذا السياق تجربة كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، والتي كانت تعمل بالشراكة مع كلية كينيدي للإدارة العامة بجامعة هارفرد كنموذج إقليمي قريب وملهم. فالكلية لم تُنشأ كمجرد تطوير لمركز تدريب، بل كمؤسسة تعليمية وبحثية متكاملة، تجمع بين التعليم التنفيذي، والبحث التطبيقي، وبناء القيادات، وربط المعرفة بصناعة السياسات. وقد أثبت هذا النموذج أن الاستثمار في “كلية حكومة” قادر على إحداث نقلة نوعية في جودة الأداء الحكومي واستدامة الإصلاح.

اللافت أن كثيرًا مما طُرح في الرؤية الحكومية للأكاديمية الأردنية—من مسارات مهنية، وشراكات جامعية، ومعايير وطنية، وبناء قيادات—ينسجم موضوعيًا مع نموذج الكلية أو مدرسة الإدارة الحكومية أكثر مما ينسجم مع النموذج التقليدي للأكاديميات التدريبية كما تُعرف في السياق العربي.

من هنا، قد يكون من المفيد التفكير في خيار مؤسسي يُترجم هذا التحول البنيوي بدقة أكبر: إنشاء كلية وطنية للإدارة الحكومية تكون ذراعًا قياديًا ونخبويًا، ومكملة لمعهد الإدارة العامة لا بديلة عنه. فيبقى المعهد مسؤولًا عن التدريب الواسع وبناء القدرات الأساسية، بينما تتولى الكلية بناء القيادات العليا، وتطوير السياسات، وإنتاج المعرفة التطبيقية، بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات الدولية.

بهذا التصور، لا يكون النقاش حول “أكاديمية أم معهد” نقاشًا شكليًا، بل جزءًا من سؤال أعمق: كيف نبني مؤسسة تُحوّل تحديث الإدارة العامة من برامج مرحلية إلى قدرة دولة مستدامة؟

فالرهان الحقيقي ليس على الاسم، بل على تصميم المؤسسة التي ستقود هذا التحول لعقود قادمة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :