الهوية الوطنية .. مقاربة أخرى
رومان حداد
09-02-2026 12:36 AM
يتصاعد خلال الفترة الماضية خطاب محافظ يؤسس مبرر وجوده على أنه القادر على حماية الهوية الوطنية في الأردن، معتبراً أن هذه الهوية تتعرض للهجوم، وأنه الأقدر على الحفاظ عليها، وهذا الخطاب المحافظ حول الهوية الوطنية في الأردن ينطلق من افتراض جوهري يقوم على فكرة أن الهوية الوطنية هي كيان مكتمل ومستقر وموروث يجب حمايته من التغيير لا أن تتعرض للتطور والتحديث.
غير أن هذه المقاربة التي يقدمها المحافظون، رغم ما يبدو في ظاهرها من نوايا وطنية، إلا أنها تقع في مأزق فكري عميق حين تتعامل مع الهوية الوطنية بوصفها حالة ساكنة، لا باعتبارها عملية تاريخية حية، في حين أن منطق الاجتماع والسياسة يؤكد أن كل ثابت هو مشروع موت مؤجل، وكل متحرك هو تعبير عن الحياة، وبالتالي قدرة الهوية الوطنية على التطور يعني وقدرتها على الاستمرار.
الهوية الوطنية ليست نصاً مقدساً تم إنجازه في لحظة تاريخية بعينها، بل هي نتاج مستمر لتفاعل المجتمع مع تحولاته الاقتصادية والسياسية والثقافية، فالهوية الوطنية، بهذا المعنى، ليست مخزوناً من الماضي بقدر ما هي قدرة على إعادة تعريف الذات في الحاضر، بما يحفظ الاستمرارية دون الوقوع في الجمود، ولذلك فإن الخلل الحقيقي الذي تقدمه المقاربة المحافظة في فهمها للهوية الوطنية يكمن في الدعوة إلى عدم تجدد الهوية وهو ما يتمظهر في الخوف المزمن من هذا التجدد لدى المحافظين، حيث يعملون على محاولة تجميد المجتمع داخل سردية واحدة تقدم على أنها الأصل والمرجعية، وكل ما عداها كفر وطني بواح.
ولكن أخطر أبعاد الخطاب المحافظ فيما يتعلق بالهوية الوطنية يتمثل في نزوع هذا الخطاب غير المعلن إلى احتكار تعريف الوطنية، فحين يتم تقديم الهوية الوطنية بوصفها منجزة ونهائية، يصبح من السهل تحويلها إلى أداة تصنيف يملكها المحافظون أنفسهم وعلى رأسهم سدنة هذا التيار ومن خلال هذه الأداة يتم تصنيف المواطنين هذا وطني وذاك مشكوك في وطنيته أو هذا داخل الجماعة وذاك على هامشها، وهو منطق مرفوض جذرياً، انطلاقاً من مبدأ أساسي مفاده أنه لا يوجد طرف يمتلك وصاية أخلاقية أو سياسية على المجتمع، ولا توجد جهة تملك الحق في توزيع شهادات الوطنية أو نزعها.
الهوية الوطنية في جوهرها ليست اختبار ولاء أيديولوجي ولا تطابقاً مع سردية رسمية أو محافظة، بل هي علاقة تفاعلية تطورية مفتوحة بين الفرد والدولة، وتتجدد عبر مشاركة الفرد في الشأن العام وقدرته على المساءلة وحقه بالاختلاف وتقديم النقد، فالمواطن لا يكون أقل وطنية لأنه يطالب بتطوير مفهوم الهوية الوطنية، وهو ليس أكثر وطنية لأنه يتمسك بصيغة تاريخية جامدة لها، بل ربما قد يكون العكس هو الصحيح، فالمجتمعات التي تسمح بهوية متحركة وقابلة للنقد هي الأكثر قدرة على الصمود، لأنها تحول الاختلاف والتنوع داخل المجتمع إلى طاقة قادرة على الإنجاز لا إلى تهديد يجب التعامل معه عبر الإقصاء أو التخوين.
دفاع المحافظين عن فكرة ثبات الهوية الوطنية يتغاضى عن حقيقة أن الدولة الوطنية نفسها لم تكن يوماً ثابتة في وظائفها أو سردياتها، فقد تطورت مفاهيم المواطنة وحقوق المواطنين ودور الدولة نفسها وبما انعكس على شكل العلاقة بين الفرد والدولة، وكلها عناصر أعادت تشكيل الهوية الوطنية عبر الزمن، فكيف يمكن تثبيت الهوية بشكل نهائي ماضوي، وكيف يمكن أن نطالب الهوية الوطنية عن التوقف عن الحركة بينما كل ما حولها يتحرك؟.
الهوية الوطنية المتحركة وغير الثابتة هي فهم ضروري لإنقاذها من عملية التحنيط التي يقدمها التيار المحافظ، فالهوية التي لا تتجدد تتحول إلى عبء على الدولة والمواطنين أنفسهم، والهوية التي يتم احتكارها من قبل مجموعة تتحول إلى أداة إقصاء، أما الهوية الحية، فهي تلك التي تتسع للاختلاف وتقبل النقد ويتم بناؤها بالمشاركة لا بالوصاية، وفي زمن التحولات الكبرى الذي نعيشه، لا يكون الخطر في تطور الهوية الوطنية، بل الحقيقة هي أن الخوف الحقيقي على الهوية الوطنية يكمن في الهلع المرضي من هذا التطور.
"الرأي"