حين تمنح القلادة: الملك يصنع معنى التاريخ والرمز
أ.د. وائل عربيات
09-02-2026 12:40 AM
في إسطنبول، المدينة التي لا تفصل بين التاريخ والسياسة، وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليقلّده قلادة الشريف الحسين بن علي، مفجّر نهضة العرب الكبرى وصاحب البيعتين، أرفع الأوسمة الأردنية. لم تكن اللحظة تكريمًا بروتوكوليًا تقليديًا، بل فعلًا سياسيًا عالي الدلالة، جرى فيه استدعاء التاريخ بوصفه سلطة معنوية، والخلافة بوصفها معنى، والوصاية بوصفها مسؤولية مستمرة لا شعارًا عابرًا.
اختيار إسطنبول، لا أنقرة، لم يكن تفصيلًا جغرافيًا. فهذه المدينة، التي كانت يومًا عاصمة الخلافة ومركز القرار في العالم الإسلامي، لا تزال تحمل رمزية المكان الذي تُقال فيه الرسائل الكبرى بلغة التاريخ قبل لغة السياسة. أن تُمنح قلادة الشريف الحسين هناك، يعني أن الحدث أُريد له أن يُقرأ في سياق أعمق من العلاقات الثنائية، وأن الشريف الحسين بن علي رمز باق ومستمر يستدعى ويستحضر في قلب عواصم التاريخ، وأن يُربط بين الماضي الذي صاغ الشرعية، والحاضر الذي يختبرها، والمستقبل الذي تُعاد فيه صياغة الأدوار.
قلادة الشريف الحسين بن علي ليست وسامًا عاديًا؛ إنها اختزال لسردية كاملة تبدأ بالثورة العربية الكبرى، ولا تنفصل عن البيعتين، ولا تنتهي عند حدود الدولة الأردنية الحديثة. إنها رمز لخلافة سياسية وأخلاقية، لا بمعناها السلطوي، بل بمعناها القيمي القائم على حماية المقدسات، وصون الهوية، والالتزام التاريخي تجاه القدس. في هذه اللحظة، تحولت القلادة إلى خطاب سيادي صامت، يذكّر بأن الوصاية الهاشمية ليست طارئة على المشهد، ولا مستمدة من توازنات ظرفية، بل من امتداد تاريخي وشرعية متجذّرة.
الأردن، وهو يمنح هذا الوسام، لم يكن يكرّم رئيس دولة فحسب، بل كان يقدّم تعريفًا هادئًا لدوره الإقليمي. لقد قال، دون خطابة، إن القدس ليست بندًا تفاوضيًا، وإن الوصاية الهاشمية ليست ورقة قابلة للمساومة، وإن استحضار الشريف الحسين في هذه اللحظة بالذات هو تثبيت لمعادلة واضحة: من يمتلك الشرعية التاريخية، يمتلك القدرة على حماية المعنى في زمن الاضطراب.
جاءت الزيارة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتداخل ملفات فلسطين والقدس، وسوريا والعراق، وتُعاد صياغة خرائط النفوذ والتحالفات. وفي هذا السياق، بدا تقليد القلادة فعل توازن دقيق: تعزيز الشراكة الأردنية–التركية، دون المساس بثوابت الأردن، ودون ذوبان رمزي في حسابات القوة المتغيرة. لقد قدّم الأردن نفسه كدولة تعرف حدود السياسة، لكنها لا تفرّط بجوهر الشرعية.
الرسائل كانت محسوبة بهدوء: للأردن، تأكيد على قيادة تعرف كيف تحمي الوصاية بالفعل لا بالشعار؛ ولتركيا، تذكير بمكانة القدس وبحساسية دورها في الفضاء الإسلامي؛ وللإقليم، إعلان صامت بأن الخلافة الأخلاقية التي مثّلها الشريف الحسين لا تزال حاضرة في سلوك الدولة الأردنية، وفي طريقة إدارتها لعلاقاتها وتحالفاتها.
في إسطنبول، تقدّم الرمز على البروتوكول، وتقدّم التاريخ على اللحظة العابرة. وأثبت الملك عبدالله الثاني أن الوصاية الهاشمية ليست ذكرى تُستحضر عند الحاجة، بل مسؤولية تُمارَس بحكمة، وأن خلافة الشريف الحسين ما زالت حيّة في السياسة الأردنية، لا بصفتها ماضيًا يُروى، بل مستقبلًا يُحمى، في إقليم لا يعترف إلا بمن يمتلك الشرعية والقدرة معًا.
"الرأي"