نافذة جوهاري .. حين تُشوَّه الرؤية لا الحقيقة
الأب عماد الطوال
09-02-2026 10:54 AM
كثيرًا ما يُحاكَم الإنسان على أشياء لم يفعلها، ويُعرَّف بصفات لا تشبهه، فقط لأن أحدهم روى قصة ناقصة، أو نقل انطباعًا مشوَّهًا، أو فسّر موقفًا من زاويته الخاصة. هكذا تتكوّن في أذهان الآخرين صورة عن شخص ما، صورة لا تمتّ إلى حقيقته بصلة.
وعند التأمّل في نظرية نافذة جوهاري، يتّضح أنها ليست مجرد تقسيم نفسي للشخصية، بل مدخل عميق لفهم كيفية تشكّل الصور في عيون الناس، وكيف يمكن لهذه الصور أن تكون عادلة أحيانًا، ومشوَّهة أحيانًا أخرى.
تقسّم نافذة جوهاري معرفة الإنسان بنفسه إلى أربع مناطق:
منطقة مفتوحة يعرفها الشخص ويعرفها الآخرون، ومنطقة خفية يعرفها وحده، ومنطقة عمياء يراها الآخرون ولا يراها، ومنطقة مجهولة لم تُكتشف بعد. غير أنّ الواقع يكشف حالة لا تذكرها النظرية صراحة: حالة لا يكون فيها الخلل في الرؤية، بل في النافذة نفسها، حين يرى الناس ما لا وجود له أصلًا.
المنطقة المفتوحة هي الأفعال الواضحة، والكلمات، وطريقة التعامل، والاختيارات اليومية؛ إنها الواقع الذي يُقدَّم للعالم بوضوح وصدق.
أما المنطقة الخفية فهي المشاعر، والنيات، والصراعات الداخلية، أشياء لا يراها الناس لكنها تشكّل جوهر الشخصية. إدراك هذه المنطقة يجعل الإنسان أكثر تعاطفًا، لأنه يدرك أن لكل شخص ما لا يُرى.
والمنطقة العمياء تتكوّن من ملاحظات أشخاص عاشوا التجربة المباشرة، فتنشأ من احتكاك حقيقي ومعرفة واقعية.
لكن الإشكال يبدأ حين تتشكّل صورة لا تنتمي إلى أيٍّ من هذه المناطق: صورة يصنعها شخص لم يعش الحقيقة، بل سمعها ثم نقلها، فتُبنى فكرة عن إنسان لم يُعرَف فعليًا. هنا لا تعود نافذة جوهاري مرآة، بل يصبح الزجاج مشروخًا؛ فالناس لا ينظرون إلى الشخص من نافذته، بل من نافذة غيره. فيُحكَم عليه بناءً على رواية ناقصة، أو تفسير شخصي، أو انطباع عابر، أو سوء فهم تضخّم مع الوقت. وهنا يحدث الظلم الحقيقي: أن يُرى الإنسان بعيون لم تره أصلًا.
هذا الفهم يغيّر نظرة الإنسان للحياة. لم يعد من الضروري تصحيح الصورة عند كل من أساء الفهم، لأن المسؤولية الحقيقية لا تكمن في ملاحقة كل فكرة خاطئة، بل في الحفاظ على وضوح السلوك وصدق النيّة في المنطقة المفتوحة.
فنافذة جوهاري الحقيقية لا تُبنى على الكلام المنقول، بل على التجربة المباشرة. من يعرف الإنسان حقًا لا يحتاج أن يسمع عنه، ومن يكتفي بالسماع لن يعرفه أبدًا. ومن هذا المنظور تصبح الحياة أقل إرهاقًا؛ ينصرف الاهتمام من محاولة إقناع الجميع بالحقيقة إلى العيش بها فعلًا. فالزمن، والتعامل، والمواقف كفيلة بأن تُظهر الحقيقة لمن يريد أن يرى، لا لمن يكتفي بالسماع.
وهكذا تُفهم الحياة كنافذة أوسع من أحكام الناس، وأصدق من رواياتهم، وأعمق من القصص المتداولة دون معرفة؛ نافذة يمكن للإنسان أن يطلّ منها على نفسه أولًا، قبل أن يطلّ منها على الآخرين.
وكما قال ستيفن كوفي: «نحن لا نرى العالم كما هو، بل كما نحن مهيَّؤون لنراه».