النموذج الإندونيسي بروحٍ أردنية: البنك المركزي صانعاً للمستقبل ومُمكّناً للمبتكرين
د. حمزة العكاليك
09-02-2026 10:57 AM
ينما كنت أراقب عن كثب، قبل فترة وجيزة، المعجزة الرقمية والانفجار التكنولوجي في إندونيسيا، تلك الثورة الصامتة التي تُقاس بسطور البرمجة وسرعة معالجة البيانات ومدى شمولية الأنظمة المالية، تساءلت في نفسي بشغف: عن إمكانية وجود مثل هذا النموذج الناجح في وطننا الأردن؟ لم يطل انتظاري كثيراً للإجابة؛ فبعد أيام معدودة، دعيت من قبل البنك المركزي الأردني لأشهد نموذجين ملهمين قدما لي الجواب على تساؤلي وأثبتا لي أن المملكة تسير بخطى واثقة على المسار الصحيح. فمن جهة، رأيت مبادرات الشركة الأردنية لأنظمة الدفع والتقاص جوباك JoPACC، التي يترأس مجلس إدارتها معالي محافظ البنك المركزي الأردني، ومن جهة أخرى، وقفت على إنجازات وحدة الاستجابة للحوادث السيبرانية (Fin-CIRT) التابعة لمنظومة البنك المركزي.
لقد أثبت هذان النموذجان بالدليل القاطع بأن الأردن خطى خطوات جبارة في تحويل الشباب الأردني من مستهلك للتكنولوجيا إلى صانع ومبتكر لها، محصناً إياهم بأعلى معايير الأمن السيبراني وحوكمة البيانات، ليعيد رسم ملامح الهاتف الذكي في يد المواطن ليصبح بنكاً متنقلاً ومحركاً حقيقياً للنمو الاقتصادي.
إن ما تشهده إندونيسيا، من انفجار في شركات التكنولوجيا المالية ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تلاحم استراتيجي بين بنية تحتية رقمية متطورة وبيئة تشريعية مرنة استطاعت استيعاب طموحات أكثر من 280 مليون نسمة. وفي المقابل، يقف الأردن اليوم على عتبة تحول مماثل، حيث تعكس الجهود والمبادرات الأخيرة، إدراكاً عميقاً بأن السيادة التكنولوجية هي الضمانة الوحيدة للاستقرار المالي في القرن الحادي والعشرين.
فإندونيسيا تعتبر اليوم حالة دراسية عالمية في كيفية القفز فوق المراحل التنموية التقليدية. فبينما كانت الدول المتقدمة تقضي عقوداً في بناء الأنظمة البنكية التقليدية، قفزت إندونيسيا مباشرة نحو التكنولوجيا المالية الرقمية. ويكمن سر الانفجار الإندونيسي في التوحيد.
فقبل سنوات، كانت أنظمة الدفع مجزأة، لكن البنك المركزي الإندونيسي (Bank Indonesia) أطلق معيار الرمز الموحد (QRIS)، الذي سمح لأي تاجر، حتى بائع الدراجة البسيطة، بقبول الدفع من أي تطبيق مالي. هذا النظام لم يسهل الحياة اليومية فحسب، بل أدخل الملايين في النظام المالي الرسمي لأول مرة.
وفي الأردن، نرى مشهداً مختلفاً في التفاصيل، ولكنه مشابه في الطموح. فالبنك المركزي الأردني، الذي طالما كان صمام الأمان للنظام النقدي، تحول اليوم أيضا إلى محرك للابتكار. فالاحتفال الذي جرى الأسبوع الماضي برعاية وباك لتخريج نخبة من الشباب المطورين لم يكن مجرد توزيع شهادات، بل كان إعلان استقلال رقمي. فهؤلاء الشباب طوروا حلولاً رقمية تلمس عصب الاقتصاد الوطني.
كما إن الدعوة التي وجهت للرؤساء التنفيذيين للبنوك لحضور هذا الحفل كانت حركة استراتيجية بارعة. ففي التجربة الإندونيسية، كانت العلاقة بين البنوك وشركات الـ FinTech في البداية علاقة توجس، لكنها تحولت إلى شراكة كاملة. واما في الأردن، اختصرت هذه المسافة بجمع قادة القطاع المصرفي مع المطورين الشباب، مما يمهد الطريق لظهور شركات تكنولوجية ناشئة (Startups) مدعومة برؤوس أموال وطنية.
ولا يمكن بناء اقتصاد رقمي في بيئة غير آمنة. لذا، فإن وحدة الاستجابة للحوادث السيبرانية في البنك المركزي الأردني (Fin-CIRT) تعمل بالتوازي مع جهود التطوير. فتخريج الدفعة الثانية من معسكر الأمن السيبراني لعام 2025، بمشاركة 311 متدرباً حصلوا على 19 شهادة دولية، هو استثمار في أمن الدولة الاقتصادي.
وعندما نضع التجربتين جنباً إلى جنب، نكتشف أن إندونيسيا نجحت لأنها وحدت لغة الدفع عبر (QRIS). الأردن قطع شوطاً كبيراً عبر نظام (CliQ) و(إي فواتيركم)، ولكن التحدي القادم هو دمج هذه الأنظمة في حياة المواطن اليومية بشكل أكثر عمقاً، ليشمل الشمول المالي حتى أصحاب المهن البسيطة والمزارعين في الأغوار والمحافظات، تماماً كما فعلت تطبيقات (GoPay) و(OVO) في إندونيسيا.
وفي إندونيسيا، تتبنى 80% من الشركات الذكاء الاصطناعي، ليس كرفاهية، بل لتحسين العمليات وكشف الاحتيال. الأردن، بقيادة البنك المركزي، تمكن من استخدام البيانات الضخمة المتولدة لرسم خارطة طريق اقتصادية دقيقة. فالذكاء الاصطناعي هنا ليس مجرد شات بوت، بل هو محرك تنبؤي يساعد في اتخاذ قرارات سيادية مبنية على أرقام واقعية.
في إندونيسيا، قفز عدد شركات التكنولوجيا المالية من 51 شركة في 2011 إلى أكثر من 330 شركة متوقعة في 2025. الأردن اليوم يملك المطورين المؤهلين والشهادات الدولية المرموقة، وما يحتاجه هو الجسر الذي يربط هؤلاء الشباب بالسوق العالمي. وخطوة جمع المطورين مع رؤساء البنوك هي حجر الزاوية في بناء هذا الجسر.
إن الرؤية التي يتبناها البنك المركزي الأردني تتقاطع تماماً مع رؤية التحديث الاقتصادي للمملكة. والهدف ليس فقط رقمنة المعاملات، بل خلق اقتصاد مرن ومقاوم للصدمات.
رسالتي إلى كل مسؤول، وكل رئيس بنك، وكل شاب مطور: نحن اليوم أمام فرصة تاريخية لنضع الأردن على خارطة العمالقة الرقميين. التجربة الإندونيسية أثبتت أن المستحيل ليس إندونيسياً، والتجربة الأردنية الحالية تبرهن على أن الإبداع ليس له حدود عندما يجد الدعم والحوكمة الصحيحة.
إن العمل الذي يقوم به البنك المركزي الأردني في بناء الدرع السيبراني والحاضنة الابتكارية هو الضمانة الحقيقية لاستقرارنا المالي وازدهارنا الاقتصادي. لن نكتفي بمشاهدة المعجزة الإندونيسية، بل سنصنع نسختنا الأردنية الخاصة، نسخة تتحدث لغة التميز، وتلبس ثوب الأمان، وتمضي قدماً نحو آفاق لا تعرف المستحيل.