الأكاديمية الأردنية للإدارة: رافعة استراتيجية لصناعة القيادة الحكومية
د.عبدالله القضاة
10-02-2026 01:45 PM
تؤكد التجارب الدولية أن الدول التي تستثمر في بناء قيادات حكومية فاعلة، لا في تدريب موظفين تقليديين، تكون الأقدر على مواجهة التحديات المركبة وصناعة التحولات الكبرى. وفي عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي وتتزايد فيه تعقيدات السياسات العامة، لم يعد تطوير الإدارة العامة خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. وفي الأردن، تبرز اليوم فرصة حقيقية لترجمة التوجيهات الملكية في التحديث الإداري إلى واقع عملي، عبر بناء جهاز حكومي ديناميكي يضع الإنجاز والكفاءة في مقدمة أولوياته.
في هذا السياق، تأتي الأكاديمية الأردنية للإدارة بوصفها أحد أهم مرتكزات مسار التحديث، لا باعتبارها امتدادًا تقليديًا لمعهد الإدارة العامة، بل كصرح وطني جديد يهدف إلى إعداد قيادات قادرة على إحداث فرق حقيقي، وصياغة المستقبل الإداري، وقيادة التغيير بثقة واحتراف.
يتزامن تأسيس الأكاديمية مع مرحلة تشهد تراجع فاعلية الأساليب التقليدية في الإدارة، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة والتعقيدات المتزايدة في صناعة القرار العام. وتكمن أهمية الأكاديمية في قدرتها على إحداث انتقال نوعي من مفهوم الموظف الحكومي التقليدي إلى نموذج الموظف الرقمي المحترف، القادر على التحليل، وإدارة التغيير، والتعامل الواعي مع أدوات الذكاء الاصطناعي. كما يُفترض أن تشكل الأكاديمية مساحة حيوية لتجريب الأفكار الجديدة، لا منصة تعليمية جامدة، بما يعيد تشكيل الفكر الحكومي ويعزز استجابته لاحتياجات المواطنين.
وتبرز مسألة الاستقلالية المؤسسية كعامل حاسم في نجاح هذا المشروع. فالتجارب الدولية الناجحة تثبت أن الأكاديميات الحكومية لا تحقق أهدافها ما لم تُحمَ من تقلبات التغيير الإداري، وتُمنح القدرة على العمل وفق رؤية وطنية طويلة المدى. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى نموذج حوكمة يضمن فصل القيادة الاستراتيجية للأكاديمية عن الإدارة التنفيذية اليومية، بما يعزز وضوح الأدوار ويضمن الكفاءة والشفافية في الأداء.
ويفترض أن تقوم الأكاديمية على رؤية متكاملة لبناء القيادات، تقوم على تطوير المسارات القيادية، وربط التدريب بالتطبيق العملي، وإقامة شراكات دولية وقطاعية فاعلة، إضافة إلى تدريب القادة على اتخاذ القرار في ظروف ضاغطة تحاكي الواقع. فالمطلوب ليس تخريج كوادر نظرية، بل قيادات تمتلك القدرة على العمل في بيئات معقدة، واتخاذ قرارات مدروسة في أوقات الأزمات.
وفي هذا الإطار، يُنتظر من الأكاديمية أن تكون محركًا للابتكار الحكومي، من خلال إنشاء مركز متخصص يعنى بتطوير الأفكار واختبار السياسات العامة قبل تطبيقها. ويشكل مختبر السياسات العامة مساحة حرة لتوليد الحلول العملية، وربط التحديات اليومية للمواطنين بمقاربات مبتكرة قابلة للتنفيذ، مع التركيز على تقليص فجوة التحول الرقمي داخل الجهاز الحكومي.
ولا يمكن فصل هذا الدور عن ضرورة دمج علوم البيانات والذكاء الاصطناعي في البرامج التدريبية، واعتماد منهجيات حديثة تضع المواطن في صلب تصميم الخدمات الحكومية. فنجاح أي إصلاح إداري يُقاس في النهاية بمدى رضا المواطن عن جودة الخدمة وكفاءتها.
غير أن تحقيق هذه الطموحات يتطلب إطارًا قانونيًا واضحًا يمنح الأكاديمية الاستقلالية المالية والإدارية اللازمة. فغياب الغطاء التشريعي الكافي قد يُفرغ المشروع من مضمونه، ويعيده إلى دائرة البيروقراطية التي يسعى أصلًا إلى تجاوزها. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى قانون خاص يحمي الأكاديمية ويضمن استدامتها بوصفها ركيزة وطنية لا تتأثر بتغير الحكومات.
لا شك أن مسار التحول لن يكون خاليًا من التحديات، سواء على صعيد مقاومة التغيير أو توفير الموارد اللازمة، إلا أن الإرادة السياسية والعزيمة الوطنية كفيلتان بتجاوز هذه العقبات. فالأكاديمية الأردنية للإدارة ليست مشروعًا إداريًا عاديًا، بل استثمار استراتيجي في مستقبل الدولة.
وفي المحصلة، لا يُقاس نجاح الأكاديمية بعدد برامجها أو منتسبيها، بل بقدرتها على تخريج قيادات حكومية تمتلك الرؤية والجرأة والكفاءة لإدارة شؤون الدولة في عالم سريع التغير، واستعادة ثقة المواطن، ودفع عجلة التنمية الشاملة بثبات واستدامة.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام ومدير عام معهد الإدارة العامة سابقاً