قد تكون هذه السنة بداية تجربة جديدة ومميزة لصغارنا من الأطفال لخوض تجربتهم الأولى في الصيام، فالصيام ليس مدرسة للكبار فقط، بل هو رحلة تعليمية للصغار أيضًا، تمنحهم القدرة على فهم قيم الصبر، المسؤولية، وروحانية هذا الشهر الكريم، فعندما يعرف الوالدان كيف يستثمران لحظات رمضان في تعليم أطفالهم، تتحول التجربة إلى فرصة لتغذية القلب والعقل معًا.
من المهم مراعاة صحة الطفل وقوته، والغوص معه في مفاهيم الصيام بطريقة مبسطة: شرح معنى الأجر والثواب، وغرس حب أداء الفريضة، ورفع وعيه بأهمية زكاة الفطر وفوائدها على المحتاجين، فالطفل المميز رغم أنه غير مكلف شرعاً، تصبح صيامه صحيحًا حين يقدر على ذلك، ويصبح من واجب الأهل تشجيعه على الصيام عند بلوغه سن التمييز وقدرته على التحمل، ليعيش تجربة رمضانية غنية بالمعنى والفرح.
ولنأخذ من سلفنا الصالح قدوة، كما تروي الربيع بنت معوذ، إحدى الصحابيات: عندما أمرنا رسول الله ﷺ بصيام عاشوراء، كنا نصوم ونصوّم صغارنا، فإذا بدأ الطفل بالبكاء من الجوع، نمنحه لعبة من القطن لتشتت انتباهه حتى يحين الإفطار، بهذه الطريقة يعتاد الطفل تدريجيًا على الصيام، ويبدأ في الارتباط به منذ سن مبكرة، لتصبح تجربة رمضانية ممتعة ومليئة بالمعنى.
خلال الصيام يتعلم الأطفال التحكم في رغباتهم، الانتظام، والانتقاء الغذائي الصحي، كما يتعودون على التحمل والصبر ومواجهة الشعور بالجوع بوعي وروية حتى يحين وقت الإفطار، هذه التجربة تمنحهم شعورًا بالسعادة الداخلية، تقوي قدرتهم على الانضباط الذاتي، وتعزز الصحة النفسية والسلوك الإيجابي.
رمضان هو الفرصة الذهبية لتعليم الأطفال التفكير الواعي في خياراتهم الغذائية، استثمار وقتهم في أنشطة مفيدة، وغرس أجمل العادات والقيم التي سترافقهم مدى الحياة، لتصبح كل لحظة صيام رحلة تعلم ومرح وارتباط بالخير والبركة.
لجعل تجربة الصيام ممتعة وملهمة للأطفال، من المهم بداية أن نُعرف الطفل بصيامه كعمل من أعمال الخير، يُقربه إلى الله ويعلّمه قيمة الطاعات، بعيدًا عن أي رغبة في مدح الآخرين أو الثناء عليهم، رمضان شهر القرآن والصبر والرحمة والجود، يصبح أكثر أثرًا عندما نجهز الطفل لهذه التجربة، عبر اصطحابه إلى مجالس العلم وسماع القصص النبوية التي تبرز عظمة هذه الفريضة ومغزاها الروحي،ويمكن تعزيز رغبة الطفل في الصيام من خلال أساليب عملية ممتعة، مثل المشاركة مع أقرانه وأبناء الأقارب والجيران في الصيام، بحيث يشجع بعضهم بعضًا على الالتزام، كما يمكن تحضير وجبة إفطار مميزة للطفل من وقت لآخر، والسماح له بالجلوس مع الكبار الصائمين على مائدة الإفطار، مع وضع بعض الحلويات والأطعمة المفضلة بعيدًا عنه قبل الإفطار للحفاظ على همته.
ولا ننسى أن نغمر جوًا من البهجة والسرور يحيط بالطفل طوال الشهر، باستخدام الزينة، الفوانيس، والمدائح الرمضانية، ليشعر بأهمية هذا الشهر الفضيل، وتصبح تجربة الصيام الأولى له رحلة ممتعة، مليئة بالمعنى والفرح الروحي .
رمضان مساحة تربوية ثرية لزرع حب القرآن في قلوب الصغار، عبر تشجيعهم على القراءة والحفظ وتحفيزهم بالمكافآت التي تعزز الدافعية والالتزام في هذا الشهر، يتعلم الطفل معنى مراقبة الله، وضبط النفس، والابتعاد عن الملذات، فيكبر وداخله وعي روحي وسلوكي متوازن، كما يُعد رمضان فرصة ذهبية لغرس حب الخير في نفوس الأبناء، فالطفل يتأثر بما يراه أكثر مما يسمعه، حين يرى والديه يحرصان على كمال الصيام، ويسارعان إلى الصلاة مهما كانت الانشغالات، تترسخ في قلبه عظمة الصلاة وقيمتها العملية في الحياة اليومية.
ويزداد الأثر حين يلتزم الأهل بتهذيب اللسان والابتعاد عن الغيبة والكذب والنميمة، لأن القيم تُلتقط بالسلوك قبل الكلمات. كما ينعكس حضور الطاعات بوضوح عندما يُدار الوقت بوعي، بعيدًا عن الاستغراق في الشاشات لساعات طويلة، أو الانشغال المفرط بالألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل. هكذا يتحول رمضان إلى بيئة تربية حقيقية، تُنمّي الروح، وتضبط السلوك، وتبني عادة الطاعة بأسلوب محبّب ومستمر.
ويكتمل الأثر حين يُستثمر رمضان في تدريب الأطفال على أعمال البر عمليًا بمرافقتهم إلى المساجد، وإشراكهم في الاهتمامات اليومية للأسرة، فمرافقة الأبناء لآبائهم في الأماكن العامة تمنحهم شعورًا بالانتماء وتعلّمهم السلوك بالقدوة، كما تتعزز القيم بزيارة الأرحام، وتعويدهم على الدعاء، وإحياء ليلة القدر بما يناسب أعمارهم وقدرتهم، ومشاركتهم فرحة صلاة العيد، هكذا يتحول رمضان إلى تجربة حياة متكاملة، تُربّي القيم وتبني الذاكرة الروحية الجميلة للطفل.
لمساعدة الطفل على الصمود خلال نهار الصيام والوصول إلى الإفطار بنشاط وتوازن، يبدأ الدعم من سحور ذكي ومغذٍ، باختيار أطعمة مشبِعة وخفيفة على الجسم يمنحه طاقة أطول ويقلل العطش، مثل التمر، الجوز، الزبيب والفواكه المجففة، مع التقليل من الموالح والحلويات والبهارات، وتخفيف الأطعمة المقلية والدهنية التي ترهق المعدة وتزيد الشعور بالتعب.
ويكتمل الأثر بوضع برنامج يومي مرن يناسب عمر الطفل وقدرته، يتوزع بين فترات راحة للنوم، وقت للدراسة، لحظات للاستماع إلى القرآن أو حضور درس ديني مبسّط، كما أن إشراك الطفل في تحضير الإفطار يحوّل الانتظار إلى تجربة ممتعة؛ يفرح بالمشاركة، يتعلّم العمل الجماعي، ويشعر بقيمته داخل الأسرة، بهذه التفاصيل الصغيرة، تصبح أيام الصيام أكثر سلاسة، ويكبر ارتباط الطفل بروح رمضان ومعانيه.
ويتعاظم الأثر حين تمتد القيم من المائدة إلى فعل الخير؛ بإشراك الأطفال في إعداد طعام يُقدَّم للفقراء أو يُحمل إلى المسجد لتفطير الصائمين. بهذه الممارسات، ينمو داخل الطفل معنى الصدقة، ويتشكل لديه شعور صادق بالتعاطف مع من لا يجدون ما يسدّ جوعهم، فتجربة الجوع المؤقتة في رمضان تفتح قلبه على معاناة الآخرين، فتتجذّر فيه الرحمة، ويكبر وهو يرى العطاء أسلوب حياة لا موسمًا عابرًا.