facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"إبستين" حين تتحول الفضائح إلى نافذة على السلطة


فيصل تايه
11-02-2026 10:40 AM

باتت وثائق "جيفري إبستين" تمثل نافذة فاضحة على آليات خفية تتحكم بالسلطة والنفوذ في العالم ، فهذه الوثائق ليست مجرد معايب أخلاقية فردية أو سلسلة من الانحرافات الشخصية المعزولة، بل بما تحمله من تفاصيل وشبكات علاقات معقدة، تكشف نمطاً متكرراً وطريقة عمل منظمة، تُستغل فيها الفضائح الشخصية والملفات السرية لأغراض استراتيجية، وتُحول من مجرد أخطاء فردية إلى أوراق ضغط طويلة الأمد، قادرة على التأثير في صانعي القرار وتوجيه مساراتهم السياسية.

أحد المحاور الجوهرية في هذه القضية يتمثل في استدراج الشخصيات النافذة ومراقبتها، حيث تُستقطب هذه الشخصيات إلى بيئات مغلقة ومحمية، تُتاح فيها فرصة توثيق كل تصرف وكل كلمة، لتتحول الحياة الخاصة والسلوك الشخصي إلى مواد قابلة للتحليل والتوظيف لاحقاً ، وليس الهدف هنا إثارة الفضائح بحد ذاتها، بل بناء ملفات دقيقة تسمح بالتحكم في القرارات المستقبلية، وإبقاء أصحابها تحت وطأة معرفة أن ما جرى موثق ومحفوظ ، وبالموازاة، تُدار هذه الملفات السرية بعناية شديدة، لتبقى جاهزة للاستخدام كوسيلة ضغط عند الحاجة، ما يجعل بعض القادة، في لحظات مفصلية، أسرى لما يعرفون أنه موجود وممكن توظيفه ضدهم.

وفي سياق يعزز هذا التحليل، جاءت التطورات الأخيرة ، مع صدور ملايين الوثائق الجديدة المرتبطة بإبستين، والتي شملت مراسلات وصور ومواد لم تُكشف من قبل ، اذ ان هذه الكشوفات أعادت طرح القضية بوصفها ظاهرة مستمرة لا حادثة منتهية، وأظهرت أن شبكة العلاقات والملفات لم تكن محدودة بزمن أو أسماء بعينها، بل تمتد عبر مستويات اجتماعية واقتصادية متعددة، ما يدعم فكرة أن إدارة الفضائح والملفات تتم وفق منطق طويل النفس، يخدم استمرارية النفوذ والتحكم أكثر مما يخدم مجرد الإدانة أو الكشف العابر .

كما تشير بعض التحليلات إلى أن ردود الفعل الإعلامية والسياسية غالباً ما تدار بحيث توجيه الانتباه بعيداً عن المحاسبة الحقيقية، وهو ما يعزز أن الفضائح تستثمر أحياناً كأداة لإدارة الرأي العام وتوجيه النقاش نحو المظاهر، وليس فقط لكشف الحقائق الأساسية ، كذلك، هناك فرق واضح بين ظهور أسماء في الوثائق وبين القدرة على توجيه اتهام قضائي، مما يعكس فجوة بين التوثيق والتحقيق القانوني ويؤكد على الطبيعة التحليلية للملفات أكثر من كونها إدانة مباشرة.

ويتضح من مجمل الوثائق أن هذه الآلية لا تعمل بمعزل عن غيرها، بل ضمن شبكة نفوذ معقدة تنسق بين المال، والسياسة، والتأثير، وتتحرك وفق خطة استراتيجية دقيقة ، فالشبكة لا تركز على الأفراد بوصفهم حالات منفصلة، بل تنظر إلى الأنماط والسلوكيات، وتعمل على اختبار النخب الجديدة، ودمج من يثبت قابليته للانخراط في هذه المنظومة، مقابل تهميش أو استبعاد من يرفض الانصياع لقواعدها غير المعلنة ، وبهذه الطريقة، تستمر الهيمنة ذاتها حتى مع تغير الوجوه والخطابات، ويظل القرار السياسي الحقيقي بعيداً عن الرقابة المباشرة للشعوب.

والأخطر من ذلك أن الفضائح والابتزاز لا تظهر هنا كحوادث استثنائية، بل كأدوات أساسية في توجيه القرار السياسي ففي بعض الأحيان، قد تدار الدول الكبرى ليس بالقوة العسكرية أو بحجم الميزانيات فقط، بل بالقدرة على استغلال نقاط الضعف لدى القيادات، وتوظيف الملفات السرية في لحظات حاسمة ، وهذا ما يجعل قراءة السياسة الدولية من خلال الإعلام السائد قراءة ناقصة أو مضللة، إذ إن ما يعرض للرأي العام لا يتجاوز الواجهة، بينما تدار الحقيقة في الغرف المغلقة، حيث تخطط الحروب، وتتخذ القرارات المصيرية، وترسم أولويات النفوذ العالمي بعيداً عن الضوء.

ومن هذا المنظور، يصبح من الممكن فهم لماذا تتكرر بعض السياسات عبر إدارات متعاقبة، ولماذا لا تعني التغييرات في الوجوه والشعارات بالضرورة تغييراُ في الاتجاهات الكبرى ، فغالباً ما يكون ما يجري هو إعادة ترتيب للأدوات ذاتها ضمن المنظومة نفسها، لا خروجاً عليها ، وهنا يبرز التساؤل حول معنى الديمقراطية والسيادة الوطنية في عالم تصاغ فيه القرارات الجوهرية بعيداً عن المساءلة، ووفق منطق التحكم بالملفات واستثمار الفضائح.

أنا ارى ان وثائق "إبستين"، بهذا المعنى، لا يمكن اختزالها في كونها فضائح أخلاقية ، بل تمثل كشفاً صارخاً للبنية الخفية للسلطة العالمية، حيث تدار القرارات الكبرى خارج العلن، ويستثمر كل ضعف شخصي كوسيلة نفوذ محتملة، وتتحول العلاقات الخاصة إلى أدوات يمكن استخدامها في لحظة سياسية مناسبة ، وما يلفت الانتباه أن هذه الآليات لا تنتمي إلى الماضي فقط، بل لا تزال فاعلة في السياسة المعاصرة، وأن فهمها يشكل مفتاحاً لقراءة الواقع الدولي بصورة أكثر عمقاً وواقعية.

وبعد التمعن في هذه الوثائق وتحليل ما تكشفه، نجد انفسنا أمام حقيقة أساسية ، وهي ان العالم الذي يعرض على الناس عبر الشاشات ليس بالضرورة هو العالم الذي يدار في الخفاء ، فالقوى المؤثرة في القرار الدولي تعمل وفق منظومات دقيقة، تعتمد على الاستدراج، والتوثيق، والملفات السرية، والضغط غير المعلن، لضمان استمرارية نفوذها ، وهنا يكمن الدرس الأعمق لفهم السياسة والسلطة في عصرنا، اذ لا يكفي النظر إلى الواجهة، بل لا بد من التطلع إلى ما وراءها، إلى الغرف المغلقة، وإلى الأدوات التي يصاغ بها القرار بعيداً عن الأضواء.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :