الحرب الانتهازية على مرّ العصور ليست ظاهرة طارئة ولا مرتبطة بزمن أو ثقافة بعينها؛ بل هي سلوك سياسي–عسكري متكرر، يظهر كلما توافرت لحظة ضعف أو فراغ قوة أو انشغال الخصم، ويمكن فهمها بوصفها حربًا تُشنّ لا بدافع الدفاع المشروع أو الضرورة الوجودية، بل استثمارًا في ظرف مواتٍ لتحقيق مكاسب سريعة بأقل كلفة ممكنة.
وإذا نظرنا إلى المفهوم العام للحرب الانتهازية/ فنجد أنها عمل عسكري مباغت، يستغل أزمة داخلية، حربًا أخرى، انتقال سلطة، أو توازنًا دوليًا مختلًا، ويهدف إلى توسيع نفوذ، ضم أراضٍ، فرض شروط سياسية أو اقتصادية، وغالبًا ما تُغلَّف بخطاب أخلاقي أو قانوني أو ديني، بينما جوهرها براغماتي محض.
وإذا تعرضنا لجذور تاريخية قديمة، فيمكننا أن نبحث الموضوع أولاً في العصور القديمة؛ فالإمبراطورية الآشورية قد شنت حروبها عندما تضعف المدن (الدول المجاورة بسبب التمردات أو المجاعات)، وروما توسّعت مستغلة صراعات داخلية بين خصومها، كما فعلت في اليونان وقرطاج، والحروب الإغريقية؛ إسبرطة وأثينا دخلتا حروبًا حين شعرت كل واحدة بتراجع الأخرى، وثيوسيديدس لخّص المنطق الانتهازي بقوله: “الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يتحملون ما يجب.”
كما يمكننا النظر ثالثاً إلى العصور الوسطى، ففي الحروب الصليبية رُفعت شعارات دينية، لكن كثيرًا منها استغل تفكك العالم الإسلامي والصراعات الداخلية، وفي الغزوات المغولية اعتمدت على ضرب كيانات سياسية مفككة ومنهكة بالحروب البينية، وفي التوسع الإقطاعي الأوروبي: أمراء يهاجمون جيرانهم فور وفاة ملك أو نشوب نزاع داخلي.
أما في العصر الحديث، فيمكننا الحديث أولاً عن الحقبة الاستعمارية، حيث أن القوى الأوروبية استغلت ضعف الدولة العثمانية، وفي النزاعات المحلية في أفريقيا وآسيا، فالاحتلال غالبًا سبقته ذريعة: حماية التجارة، الأقليات، أو “نشر الحضارة”، ويمكننا ثانياً الحديث عن الحربان العالميتان، فهناك دول دخلت الحرب في لحظاتها الأخيرة لجني مكاسب سياسية (مثل بعض الدول في نهاية الحرب العالمية الأولى)، واتفاقيات ما بعد الحرب كافأت السلوك الانتهازي أحيانًا بدل ردعه.
وإذا نظرنا إلى الحرب الانتهازية في النظام الدولي المعاصر؛ فيمكننا الحديث أولاً عما بعد الحرب الباردة، فانهيار الاتحاد السوفيتي فتح الباب لتوسعات إقليمية، وفتح الباب أيضاً لتدخلات عسكرية تحت عناوين إنسانية أو أمنية، وفتح الباب لضعف الأمم المتحدة كآلية ردع فعّالة شجّع هذا النمط، ويمكننا الحديث ثانياً عن القرن الحادي والعشرون الذي تخلله استغلال للحروب الأهلية والإرهاب والانقسامات الطائفية، والحرب لم تعد دائمًا غزوًا مباشرًا، بل تعدى الأمر للحروب بالوكالة، ولتدخلات محدودة، ولحصار اقتصادي مدعوم بالقوة
أما ما يخص البعد القانوني والأخلاقي؛ فالقانون الدولي يجرّم العدوان/ ويجرم استغلال ضعف الدول، لكن ازدواجية المعايير تسمح للحرب الانتهازية أن تُشرعن سياسيًا، وأن تُفلت من المحاسبة، وهنا تظهر المفارقة من حيث أن القانون موجود، لكن الإرادة السياسية لتطبيقه انتقائية.
وبعد هذا كله فلماذا تستمر الحروب الانتهازية؟ فالحروب الانتهازية تسمر لغياب ردع دولي حقيقي، وتستمر لتآكل الشرعية الدولية، وتستمر لتفوق منطق القوة على منطق القانون، وتستمر لقابلية الرأي العام للتلاعب بالسرديات.
خلاصة القول إن الحرب الانتهازية هي مرآة لعلاقة القوة بالقانون عبر التاريخ، فكلما ضعفت منظومة الردع والعدالة، ازدهرت، وهي لا تعكس شجاعة الدول، بل قدرتها على استغلال ضعف الآخرين.