المخدرات مسؤولية قانونية مشتركة
ماهر البطوش
13-02-2026 01:25 AM
تشكل المخدرات في الإطار القانوني الأردني خطر يهدد النظام العام وأمن المجتمع، على اعتبار أنها اعتداء مباشر على الحق في الحياة والسلامة الجسدية والاستقرار الاجتماعي، وهي حقوق كفلها الدستور وحماها القانون بوصفها من ركائز الدولة الحديثة. ولم يتعامل المشرّع الأردني مع هذه الظاهرة كجريمة عادية، بل نظر إليها بوصفها جريمة ذات طبيعة خاصة ومضاعفة الأثر، تتجاوز حدود الشخص المتعاطي لتصيب الأسرة وتزعزع المجتمع بأسره، مما استدعى تبنّي سياسة جنائية تقوم على الحزم، دون أن تغفل الوقاية والإصلاح كغايتين أصيلتين.
ومن الناحية القانونية والواقعية، فإن تعاطي المواد المخدرة لا يؤدي فقط إلى الإضرار بالصحة، بل يفضي لإضعاف الإدراك وغياب القدرة على التمييز، بما يقوض أهلية الشخص في ضبط سلوكه، ويجعله أكثر قابلية للانخراط في أفعال مجرّمة تمس الأشخاص والأموال. ولقد أثبتت التجربة العملية والتطبيق القضائي أن المخدرات تمثل سبب مباشر ورئيسي في عدد كبير من الجرائم الجسيمة، الأمر الذي يبرر تشديد التجريم والعقاب حماية للمصلحة العامة، وصون لأمن المجتمع من الانفلات الإجرامي.
وانطلاقاً من هذه الخطورة، فإن المشرّع الأردني أنتهج معالجة دقيقة لجرائم المخدرات، فميّز بين من اتخذ منها نشاط إجرامي منظّم، كالترويج والاتجار والتدخل، وبين من وقع في دائرة التعاطي والإدمان. فجاء الحزم بالتشديد بحق المروجين والمتاجرين بوصفهم المصدر الحقيقي لهذا الخطر، في حين فتح القانون باب المعالجة والإصلاح للمتعاطي، إدراكاً منه بأن الإدمان في جوهره حالة مرضية وسلوكية تستوجب العلاج والتأهيل قبل اللجوء إلى الحبس باعتباره إجراء استثنائي لا أصلي.
وفي هذا السياق، تتجلى فلسفة قانون المخدرات والمؤثرات العقلية منسجمة مع المبادئ العامة لقانون العقوبات، حيث لم يجعل الحبس غاية بحد ذاته، ولا وسيلة كافية لإنهاء المشكلة، بل أداة تُستخدم عند الضرورة، بينما يظل العلاج وإعادة التأهيل، والدمج المجتمعي أدوات أكثر فاعلية في الوقاية من العود. فالحبس دون مسار علاجي متكامل قد يؤدي إلى تعميق الأزمة بدل معالجتها، ويتنافى مع الهدف الإصلاحي للعقوبة الذي يشكل أحد أعمدة السياسة الجنائية الحديثة.
غير أن هذا التوجه القانوني المتوازن لا يمكن أن يحقق غايته دون توحيد الجهود الرسمية والمجتمعية، إذ تضطلع الأجهزة الأمنية والجهات المختصة بدور محوري في إنفاذ القانون، وملاحقة شبكات الترويج والاتجار، وتجفيف منابع هذه الآفة، إلا أن هذه الجهود تبقى بحاجة إلى شراكة مجتمعية واعية تقوم على التعاون، والتكامل، وعدم التردد في المواجهة، بما يحقق بتر هذه الظاهرة من جذورها، لا الاكتفاء بمعالجة آثارها الظاهرة.
وتبرز الأسرة في هذا الإطار بوصفها خط الدفاع الأول والأكثر تأثير، إذ إن الكثير من حالات التعاطي تبدأ داخل نطاق الأسرة قبل أن تظهر إلى العلن. إلا أن الخوف من الوصمة الاجتماعية، أو اعتبار الأمر فضيحة عائلية، يدفع بعض الأسر إلى التستر أو الإنكار، وهو ما لا يحمي الأبناء ولا يصون السمعة، بل يؤجل المواجهة إلى مرحلة تصبح فيها النتائج أشد خطراً وأكثر كلفة، فالتستر قد يحول المتعاطي مع مرور الوقت إلى جاني أو ضحية، في حين أن التدخل المبكر قد ينقذ حياة كاملة.
ومن هنا، فإن المبادرة إلى تسليم المتعاطي، أو مراجعته لمراكز علاج الإدمان المختصة، لا تشكل إخفاق اجتماعي ولا مساس بالكرامة الإنسانية، بل تمثل سلوك قانوني مسؤول يتفق مع روح التشريع وأهدافه الإصلاحية، فهذه المراكز لم تُنشأ لحماية الجناة، بل لإنقاذ الأفراد وحماية المجتمع، وقطع الطريق على تطور التعاطي إلى مسار إجرامي يصعب احتواؤه لاحقاً.
وعليه فأن محاربة المخدرات لا تكتمل دون جعلها قضية رأي عام، تُطرح باستمرار على مساحة أوسع من النقاش المجتمعي، من خلال الحملات التوعوية والمبادرات الوطنية والبرامج الإعلامية والخطاب التربوي والديني، بما يخاطب العقول بالقانون، ويخاطب القلوب بالمسؤولية الإنسانية، فنبذ المخدرات اجتماعياً وتجريمها أخلاقياً، لا يقل أهمية عن تجريمها قانونياً، وهو ما يعزز مناعة المجتمع، ويحوّل المواجهة من رد فعل متأخر إلى وقاية واعية.
وخلاصة القول، المخدرات ليست مجرد قضية حبس، ولا شأن فردي يمكن السكوت عنه، بل معركة وطنية تمس أمن المجتمع وحقه في الحياة الآمنة، ومواجهتها الحقيقية تقتضي تطبيق القانون بحزم، وتفعيل مسارات العلاج والإصلاح بوعي، وتكامل دور الدولة مع دور الأسرة والمجتمع في إطار واحد موحد، فحين نكسر حاجز الخوف من الوصمة، ونوسّع دائرة الوعي ونوحّد الجهود دون تردد، نكون قد وضعنا الأساس الصحيح لمحاربة هذه الآفة، وبترها من جذورها، حماية للإنسان، وصون للمجتمع، وتعزيز لنهضة الدولة وسيادة القانون.