حين تُصاب القوة بالعمى: من غطرسة الإمبراطوريات إلى فضائح الجزر المعزولة
أ. د. هاني الضمور
15-02-2026 03:11 PM
ليست الحضارات التي انهارت عبر التاريخ قصصًا بعيدة تُروى للتسلية، بل مرايا قاسية تعكس مصير كل قوة تفصل بين النفوذ والأخلاق. فالقوانين التي حكمت سقوط عاد وثمود وروما لم تتبدل، وإن تغيّرت الأسماء والأدوات. وفي مشهد العالم المعاصر، تبدو الولايات المتحدة الأمريكية نموذجًا مكثفًا لهذا التناقض: قوة هائلة في السياسة والاقتصاد والسلاح، يقابلها ارتباك أخلاقي متزايد وانكشاف داخلي مقلق.
لقد بلغت أمريكا ذروة التمكين، وصدّرت نفسها بوصفها حارسة القيم ومرجعية الحرية. غير أن التاريخ يحذّرنا من لحظة بعينها تصبح فيها القوة عقيدة، ويترسخ شعور الاستثناء، ويُقنع أصحاب النفوذ أنفسهم بأنهم فوق المحاسبة. عندها يبدأ الانحدار، لا بضربة عسكرية، بل بتآكل المعنى من الداخل. فحين تُبرَّر الحروب بلغة ناعمة، ويُختزل موت الأبرياء في مصطلحات إدارية باردة، لا تكون المشكلة سياسية فحسب، بل أخلاقية في جوهرها.
وفي هذا السياق، جاءت فضائح جزيرة إبستين كاشفة لا كحادثة معزولة. اسم جيفري إبستين ارتبط بجزيرته الخاصة جزيرة ليتل سانت جيمس، لتتحول من رمز للترف إلى رمز لانكشاف منظومة كاملة. الصدمة لم تكن في الجريمة وحدها، بل في شبكة النفوذ التي أحاطت بها، وفي الأسماء التي لامست الفلك نفسه، وفي القدرة الواضحة على تأجيل العدالة وتخفيفها وإغراقها بالضجيج حتى تفقد أثرها.
هنا تتجلى الغطرسة بأوضح صورها: حين يُحاسَب الضعيف بلا رحمة، ويُحمى القوي بالصمت والتسويات. وحين تُرفع شعارات حقوق الإنسان في الخارج، بينما تُدفن الفضائح في الداخل. موت إبستين لم يغلق الملف أخلاقيًا، بل فتح أسئلة أعمق عن حدود المحاسبة في دولة ترى نفسها معيارًا للعالم. تلك ليست مؤامرة بقدر ما هي سنّة تاريخية تتكرر: القوة حين تُحصّن نفسها من النقد تُفسِد، والنفوذ حين ينفصل عن القيم يتحول إلى عبء على أصحابه قبل خصومهم.
التاريخ يخبرنا أن الإمبراطوريات لا تسقط فجأة، بل تتصدع تدريجيًا حين تتآكل الثقة، وتتعمق الانقسامات، ويصبح القانون انتقائيًا. وما أشبه خطاب اليوم بقول عاد: من أشدّ منا قوة. الصيغة تغيّرت، لكن المعنى واحد. التمكين بلا تواضع، والنفوذ بلا عدل، يصنعان عالمًا هشًا مهما بدا متماسكًا من الخارج.
هذه القراءة ليست شماتة ولا تحريضًا ضد شعب، بل تحذير إنساني عام. فسنن العمران لا تحابي أحدًا. الآثار التي بقيت من حضارات الأمس لم تكن أقل علمًا ولا أقل تنظيمًا من قوى اليوم، لكنها تشترك معها في خطأ قاتل: الاعتقاد بأن القوة تُغني عن الحق. والسؤال الذي يطرحه التاريخ على عالمنا الآن، وعلى أمريكا تحديدًا، ليس عن حجم الترسانة ولا اتساع النفوذ، بل عن القدرة على العدل والمحاسبة. فالقوة قد تصنع الهيمنة، لكن العدل وحده يصنع البقاء، وما لم يُواجَه الانكشاف الأخلاقي بصدق، ستبقى “الجزر المعزولة” تطفو من حين لآخر لتذكّر العالم بأن التاريخ ليس أعمى… بل صبور.