facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"حماس الخارج": من الأحضان إلى المقامرة بالاخوان (٢)


د. محمد البطاينة
15-02-2026 03:54 PM

برحيل الملك حسين أُسدلَ الستار على العلاقة بين الدولة الأردنية و(حماس الخارج)، وهي علاقة توثقت في تلك الحقبة بروابط شخصية وتاريخية بين الملك حسين والقيادات الوازنة في الجماعة.

عوامل عديدة تضافرت لتكون النهاية هي إخراج قادة الحركة من الاردن؛ فقد تركت الدولة الأردنيّة الجمل بما حمل في القضية الفلسطينية لمنظمة التحرير، واكتفت بالقيام بدور إسنادي لجهود السلام في مظنة حدوث تسوية نهائية بُعث فيها الروح كما أٌعتقد في ذلك الوقت بهزيمة اليمين في الانتخابات الإسرائيلية، وتوقيع اتفاق واي ريفر بين "إسرائيل" والسلطة ١٩٩٨؛ والنقطة الأكثر أهمية في هذا الاتفاق أن ملفات الحل النهائي أصبح معني بها الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي فقط، ليتم تنحية الدور الأردني من هذا الاتفاق وهكذا تخلت الدولة عن أدوارها واوراقها السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

هذا بالاضافة الى أن قوة حضور البيروقراط الاردني ( السياسي و الأمني ) في تلك المرحلة أدت إلى اضمحلال الحلول الرمادية مع الحركة الفلسطينية لمصلحة الرؤية الوطنية والمقاربة الامنية، التي وجدت ان دور الحركة تحول لعبء على القضية الفلسطينية وتالياً لحمولة زائدة عن الحاجة الوطنية وتتعارض مع المصالح الاستراتيجية للدولة الأمر الذي يستلزم فك الارتباط معها. لا شك هنا بأنّ الاستحقاقات الدولية ومحاولة فتح أفق للقضية الفلسطينية قد لعب دوراً ضاغطاً في اتخاذ القرار، لكن من جانب آخر برزت عوامل داخلية أثرت بقوة في تسريعه؛ فحماس الخارج تضخمت بشكل مبالغ فيه في جسد الجماعة، وكان لا بدّ من كبح جماحها فلم يعد مقبولاً أن يستمر طويلا هذا العضو المتضخم داخل جسم الإخوان.

ذهبت قيادات المكتب السياسي في زيارة لإيران وطلبت الحكومة منهم عدم العودة إلى الأردن، إلا أنّ القيادات تحدّت القرار وعادت فتم سجنهم، تدخلت قطر واقترحت استضافتهم وهو ما كان. لم تكن قطر المكان المناسب لاحتضان المكتب السياسي للابعاد الجيوسياسية التي لا تخدم أهداف الحركة، لينتقل المكتب السياسي إلى دمشق التي نظرت "لحماس الخارج " كورقة استراتيجية تخدم محور الممانعة الذي تشكل في ذلك الوقت من إيران وسوريا لمواجهة الضغوط الغربية الرامية لتغيير الأنظمة السياسية في الإقليم.

مطلع الألفية اتسع نفوذ مجموعة من (القادمين الجدد من دول الخليج) في داخل الحركة الإسلامية بعد سيطرة التيار الذي انخرطوا به _ والمرتبط بحماس الخارج _على مجلس الشورى والمكاتب التنفيذية، وتالياً على صناعة القرار في الحزب والجماعة وهو ما سمح لهذا التيار بصياغة برامج الحركة الإسلامية واتجاهاتها بخلفية جغرافية وفئوية وقد كان اهم ما انجزه ذلك التيار في تلك السنوات انه حوّل الجماعة إلى ظل لحماس الخارج، وهكذا أصبحت نشاطات الجماعة تبعاً لذلك وقفاً للمشروع الذي يخدم القضية الفلسطينية أرضاً وشعباً.

في ٢٠٠٦ هزّ الزلزال السياسي المنطقة بالانتخابات التشريعية الفلسطينية بعد تحقيق حركة حماس داخل فلسطين أغلبية المقاعد في المجلس التشريعي وتشكيلها الحكومة الفلسطينية في داخل الأراضي المحتلة.

في تلك السنوات كان انحياز جماعة الاخوان للمحور الإقليمي الايراني (الذي تنتمي له حماس الخارج) والمُضاد للدولة الأردنية قد زاد الفجوة بين الجانبين، لا سيما أنّ مؤسسات الدولة تعاملت مع هذا المحور التصديري للأزمات السياسية والمذهبية في المنطقة كخطر محدق؛ بعدها بسنوات بدأت الجماعة في الاردن تُفصح عن مخاطر التشيع والطائفية السياسية للمحور الإيراني، ولكن لم يكن ذلك الحديث مقبولاً إلا بعد انفضاض المكتب السياسي لحركة حماس الخارج من أحضان ذلك المحور في سنوات الربيع العربي، لتغدو العقائد في خدمة السياسة وليس العكس.

في تلك الحقبة لم يغير تواجد تيار الإصلاح الوطني في أعلى هرم المكتب التنفيذي من اندفاع الدولة لِلجم الجماعة بسبب انحيازاتها السياسية الاقليمية المضادة لمصالح الدولة الاردنية؛ كانت الدولة تعتقد أنّ قيادة الجماعة المنتمية للتيار الإصلاحي هشة ولا تسيطر على خط الجماعة السياسي، ذلك أنّها نخبوية ولا تتمتع بتأييد من القواعد الاجتماعية للجماعة المؤيدة لخط حماس الخارج، وعلى ذلك ليس بإمكان هذه القيادة الثبات أمام جموع وجموح تيار حماس المضاد، وبالفعل وقفت أجندة تيار الإصلاح الوطني في تلك الأزمات في المنتصف بين الدولة والتيار الخاضع لحماس الخارج، وبدت مواقف الإصلاحيين متأرجحة، فتارةً ينحاز للتيار الآخر ليدحض شُبهة الضعف في مواجهة الحملة الحكومية، وتارة يتقارب مع الحكومة لإصلاح العلاقة المتدهورة معها.

مست تصريحات للرجل الثاني في الجماعة آنذاك زكي بني ارشيد العصب الحساس في المعادلة الإخوانية بعد اتهامه للتيار الإصلاحي بالسعي لأردنة الجماعة على خلفية طلب حماس فك الارتباط ٢٠٠٨؛ كان التصريح مسيئاً للذات، وينفي ضمناً صفة الأردنية عن تنظيم الإخوان القائم في ظل الدولة الأردنية، ويشي في المقابل بنوايا مضادة لتيار حماس حول هوية الجماعة؛ زكي كشف ما يستبطنه الآخرون وما يعجزون عن الحديث به علناً وما لا يستيطعون عليه صبرا.

في نهاية المطاف انتصرت إرادة "حماس الخارج" مع حلول عام ٢٠١٠ ليستقل التنظيم الاخواني الفلسطيني ويقوم بفكّ الارتباط مع الجماعة في الاردن وهو الفصل الذي كان صورياً في الواقع؛ ذلكَ أنّ المكتب السياسي لحماس لم يكن يريد فصل الإخوان في الأردن تنظيميا وسياسيا عن حماس؛ ففك الارتباط في الحقيقة كان المراد منه فقط انتقال التبعية التنظيمية ليغدو الوضع معكوساً؛ فقد أضحت الجماعة في الاردن تابعة للحركة الفلسطينية بعد أن كانت حماس في بداياتها هي التابعة للجماعة الأردنية، وليس أدلّ على ذلك من تمثيل المراقب العام للجماعة في الأردن آنذاك همام سعيد كعضو في مجلس شورى حركة حماس الخارج، ليختزل ما كان يسمى تنظيم بلاد الشام في حركة حماس، ولتصبح جماعة الإخوان في الاردن عملياً ملحقة بالحركة الفلسطينية تنظيمياً وبرامجياً وسياسياً؛ على إثر ذلك انفجرت الخلافات في وسط الجماعة وهو ما افضى إلى انقسامات وانشقاقات مؤثرة على مدار خمسة عشر عاماً الأمر الذي انهك الجسم التنظيمي وحوله إلى كيان مؤسسي هزيل وصولاً في نهاية المطاف إلى استخدام الحلول الجراحية للاوضاع المزمنة للحركة الاسلامية التي انتهت بقرار حظر الجماعة ٢٠٢٥.

وهنا علينا أن نتذكر تاريخياً بأنّ بداية صعود حركة حماس مطلع التسعينات تلازم مع بداية هبوط وانحدار لحضور الجماعة الطاغي في الأردن، وذلك لأنّ توجيه المكتب السياسي لحماس الخارج لتيارات داخل الجماعة وسحبها لكوادر مؤثرة في التنظيم، وتأسيسها لتنظيم ظل داخل الجماعة أضعف الكيان الاخواني وأحدث تعارضاً في الأولويات والمرجعيات، وأنتج خلافات متكررة بين الحين والآخر. كما أنّ طرح حماس لنفسها كحركة فلسطينية عزز الفرز الإقليمي داخل الجماعة وهو الفرز الذي تكرر في تجربة كل الحركات القومية واليسارية في الأردن ، فأنهكها وشطرها إلى نصفين فآلت كلّ الحركات الأممية في الأردن إلى حركات فئوية؛ وفي التجربة الحاضرة فكما آلت حركة القوميين العرب إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، آلت جماعة الإخوان المسلمين إلى حركة حماس الفلسطينية، والسبب أنّ الانتماءات الأيدلوجية لدى الشريحة المؤثرة في هذه الاحزاب والحركات ليست عميقة، وتتلاشى أمام قوة حضور الهوية والبرنامج الذي يخدم المشروع الفلسطيني أرضاً وشعباً.

بالعودة إلى حركة حماس التي تستعد في الفترة القادمة لإجراء انتخاباتها الداخلية لاختيار قيادتها الجديدة وهو استحقاق يأتي في ظلال الحرب المدمرة على غزة وعلى قيادة حماس الداخل التي خرجت مهشمة ومهمشة من هذا الصراع بعد خسارتها لقياداتها السياسية والعسكرية الوازنة وتالياً للسيطرة على القرار في غزة؛ وعلى هذه المعطيات ستكون الانتخابات الداخلية معركة وجودية لحماس الداخل وستحدد هوية الحركة في اليوم التالي للحرب على غزة. في المقابل تدرك حماس الخارج حجم الضغوطات التي تُمارس عليها خاصة بعد الهجوم على قياداتها المقيمة في قطر وهو الهجوم الذي أعلن عن نهاية الفصل العسكري للحرب وتدشين الفصل السياسي في محاولة لاخراج الحركة من أزمتها. يتزعم خالد مشعل الخط البراجماتي للحركة والذي تم اقصاءه عن رئاسة الحركة ككبش فداء لتستعيد حماس غزة علاقاتها بالمحور الإيراني وهو المحور المطلوب اليوم دولياً قطع اطرافه في كل الساحات بما فيها غزة؛ الأمر الذي يمهد طريقاً مستوياً دون مطبات تنظيمية لإعادة انتخاب خالد مشعل مجدداً رئيساً للحركة.

يتحدث مشعل في هذا السياق على ان غزة وقيادتها أدت ما عليها والآن عليها ان ترتاح؛ كما أن مستقبل الحركة لم يعد يعتمد على المقاومة العسكرية في صورة الصواريخ والانفاق التي دُمرت بالحرب الاخيرة ويدعم مشعل من حيث المبدأ الانخراط السياسي للحركة عبر الانضمام لمنظمة التحرير الفلسطينية لتبدأ حماس الخارج عملياً من حيث انتهت فتح؛ وهنا مشعل إذ يقدم هذه الرؤية السياسية فهو يتطلع لمحاولة فتح بوابة لحركة حماس نحو علاقات مباشرة مع الأمريكيين؛ على قاعدة إذا كانت واشنطن اعترفت بالشرع المنبثق من النسخة المتشددة للإسلام السياسي فلماذا يُغلق الطريق في وجه النسخة الأكثر اعتدالا حسب وجهة نظره كما في تصريحاته الأخيرة.. وهكذا يصبح الانتقال من الكتف الايراني إلى الكتف التركي حتمياً بغية التكيف مع الاستحقاقات الدولية عبر تشكيل الأتراك لمظلة سياسية لهذا التيار داخل حركة حماس.

والواقع ان حماس مشعل حاولت خلال الحرب الاخيرة أن تُهيء ارضية لتصنع استدارتها السياسية تلك على حساب الدولة الأردنية عبر تصديرها لازمتها الداخلية إلى الاردن من بوابة هيمنتها على الاخوان ومقامرتها بورقة الجماعة وحضورها في البرلمان والشارع لتعويض خسارتها الاستراتيجية في المنطقة؛ كما عمدت ببعض ممارساتها الى ابتزاز الاستقرار الأردني اقليمياً من خلال دفع الجماعة إلى تصعيد خطابها في مظاهرات الشارع واستخدامها لاذرعها الاعلامية في الخارج للاساءة لمواقف الدولة إلى تجاوزها للخطوط الحُمر بقضية عسكرة الجماعة وتشكيل خلايا "توطين السلاح"؛ والغاية رفع وزنها السياسي في الاقليم وتكييشه مرحلياً في محاولة للضغط على الأطراف الفاعلة لقبول إعادة إنتاج حماس بصيغتها الجديدة وضمان حضورها على الطاولة في الترتيبات القادمة؛ بيدَ ان المقاربة السياسية لمؤسسات الدولة الأردنية كانت صارمة و رافضة بشكل قطعي لمحاولات استخدام الجماعة للأردن كساحة لتصدير الأزمات في الإقليم؛ وهكذا دفع الاخوان في الأردن ثمن هيمنت قيادات حماس الخارج على مسارها و خياراتها بإعلان الدولة قرار حظر الجماعة.

* مؤلف كتاب الجماعة الحائرة





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :