بين السياسة والاقتصاد… حين تتقاسم المدن الأدوار وتربح الدولة
د. محمد بني سلامة
16-02-2026 09:48 AM
لم يعد من الحكمة أن نُصرّ على أن تكون العاصمة مدينةً واحدةً تحمل فوق كتفيها كل شيء: القرار السياسي، والثقل الاقتصادي، والضغط السكاني، ومراكز النفوذ، وتفاصيل الإدارة اليومية. فالدولة الحديثة ليست تجمعًا عمرانيًا حول مركز واحد، بل منظومة وظائف تتكامل ضمن جغرافيا وطنية أوسع. وكلما أحسنت توزيع أدوارها على المدن، ارتفع منسوب كفاءتها وتوازن نموّها وازداد استقرارها. من هنا جاءت فكرة الفصل بين العاصمة السياسية والعاصمة الاقتصادية، لا بوصفها ترفًا تنظيميًا، بل خيارًا استراتيجيًا يخدم الحوكمة الرشيدة ويعزز العدالة التنموية.
العاصمة السياسية بطبيعتها مدينة القرار والسيادة؛ فيها الحكومة والبرلمان والمؤسسات العليا والتمثيل الدبلوماسي، وما يستتبع ذلك من اعتبارات أمنية وبروتوكولية وإجرائية دقيقة. أمّا العاصمة الاقتصادية فهي مدينة الإنتاج والمال والاستثمار، تتحرك وفق قوانين السرعة والمرونة واحتياجات التجارة والصناعة وسلاسل الإمداد، وتحتاج إلى بيئة أعمال تتخفف من أثقال المركز السياسي ومتطلباته.
وحين تفصل الدول بين الوظيفتين، فإنها لا تُقسّم الوطن، بل ترفع قيمة كل مدينة داخله. التجارب العالمية تُثبت ذلك بوضوح. في سويسرا تؤدي برن دور العاصمة السياسية، فيما تقود زيورخ الاقتصاد والمال. وفي ألمانيا تتولى برلين مهام العاصمة السياسية، بينما تُعد فرانكفورت مركز الثقل المالي. وفي نيجيريا تمثل أبوجا العاصمة السياسية في حين بقيت لاغوس المحرك الاقتصادي. هذه النماذج تؤكد أن توزيع الأدوار يعزز التخصص ويرفع كفاءة الدولة.
وعلى نطاق أوسع، تظهر “العواصم الاقتصادية” في دول عديدة حتى دون إعلان رسمي. فدبي تُعد بوابة اقتصادية ومالية ولوجستية عالمية رغم أن العاصمة السياسية للإمارات هي أبوظبي. وإسطنبول تمثل الثقل الاقتصادي والثقافي في تركيا بينما العاصمة السياسية هي أنقرة. وحلب تاريخيًا كانت مركز الصناعة والتجارة في سوريا مقابل دمشق السياسية. وفي البرازيل تقود ساو باولو الاقتصاد بينما العاصمة السياسية هي برازيليا. وفي الولايات المتحدة تبقى نيويورك عاصمة المال والأسواق العالمية مقابل واشنطن السياسية. وفي الهند تؤدي مومباي دور القلب المالي مقابل نيودلهي السياسية. وفي أستراليا تمثل سيدني المركز المالي والتجاري مقابل كانبيرا السياسية. وفي الصين تتصدر شنغهاي بوصفها محركًا اقتصاديًا بالغ التأثير مقابل بكين السياسية. القاسم المشترك بين هذه المدن أنها تصنع الثقل الاقتصادي، وتجذب الاستثمارات، وتخلق فرص العمل، وتؤثر في محيطها الإقليمي والعالمي دون أن تكون مقر الحكم.
هذا الفصل يحقق نتائج لا يمكن تجاهلها: يخفف اختناق المدن حين تتكدس السياسة والاقتصاد في نقطة واحدة، ويرفع كفاءة الإدارة العامة، ويحقق توازنًا تنمويًا عبر توزيع الفرص جغرافيًا، ويعزز جاذبية الاستثمار بمرونة بيئة الأعمال، كما يقلل من تداخل النفوذ الاقتصادي المباشر مع مركز القرار السياسي، بما يخدم الشفافية والحوكمة.
وفي الحالة الأردنية، فإن الحديث عن رؤية “إربد عاصمة اقتصادية” لا ينبغي أن يُقرأ كشعار، بل كمشروع وطني يتسق مع التحولات الكبرى في إدارة التنمية. والأهم أن هذه الرؤية تنبثق من الرؤية الملكية للتحديث الاقتصادي التي أكدت على ضرورة تنمية الأقاليم وتوزيع مكاسب التنمية بعدالة، بحيث لا تبقى الفرص محصورة في مركز واحد، بل تمتد إلى المحافظات والمدن القادرة على قيادة النمو.
إربد تمتلك مقومات تؤهلها لتكون قطبًا اقتصاديًا شماليًا فاعلًا: قاعدة بشرية شابة، حضور جامعي ومعرفي، تراكم تجاري وخدمي، وموقع جغرافي يمنحها فرصًا لوجستية وأسواقًا قريبة. وتمكينها اقتصاديًا لا ينتقص من دور العاصمة السياسية، بل يرسخ مفهوم التكامل الوطني: العاصمة السياسية تمارس وظيفة الحكم والإدارة وصنع السياسات، فيما تقود إربد مسارات الإنتاج والاستثمار والابتكار والتشغيل.
إن الدول التي وزعت أدوارها بين مدنها لم تخسر وحدتها، بل ربحت قوتها. وحين تتقاسم المدن الأدوار، تتسع دوائر الفرص وتُخفف الأعباء وتتحول الجغرافيا إلى شريك في التنمية لا مجرد إطار إداري. من هنا، فإن جعل إربد عاصمة اقتصادية ليس مجرد طموح محلي، بل خطوة في اتجاه دولة أكثر توازنًا وكفاءة وعدالة.