أجهزتنا تتحول إلى أدوات تجسس: كيف نحمي أنفسنا؟
م. هاني محمود البطش
16-02-2026 07:47 PM
في زمنٍ أصبحت فيه الأجهزة الذكية جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية، لم تعد الخصوصية مسألة شخصية بحتة، بل تحوّلت إلى تحدٍّ تقني معقّد. فالهواتف التي نحملها، والساعات التي نرتديها، والكاميرات التي نركّبها للحماية، وحتى السيارات التي نقودها، كلها أجهزة متصلة بالإنترنت وقابلة – نظريًا وعمليًا – للاختراق إذا لم تُؤمَّن بشكل صحيح. وبينما نبحث عن الراحة وسهولة الاستخدام، يترصّد القراصنة الثغرات نفسها التي نغفل عنها.
الهواتف الذكية تأتي في مقدمة الأهداف. فهي تحتوي على صورنا الخاصة، ومحادثاتنا، وحساباتنا البنكية، وسجل تحركاتنا اليومية. في حال اختراق الهاتف، قد يتمكن المهاجم من تشغيل الميكروفون عن بُعد لتسجيل المحادثات، أو تفعيل الكاميرا لالتقاط الصور دون علم المستخدم، أو نسخ الملفات والبيانات الحساسة. الأخطر أن بعض البرمجيات الخبيثة تستطيع العمل في الخلفية دون أي مؤشرات واضحة، ما يجعل الضحية غير مدرك لما يحدث.
ولا تختلف الساعات الذكية والأساور الصحية كثيرًا من حيث الخطورة، رغم صغر حجمها. فهي تجمع بيانات دقيقة عن الصحة والنشاط والموقع الجغرافي، وترتبط مباشرة بالهاتف. اختراقها قد يمنح المهاجم نافذة إضافية للوصول إلى بيانات المستخدم، أو حتى استغلالها كنقطة عبور إلى أجهزة أخرى داخل الشبكة.
أما في المنازل، فقد تحولت كاميرات المراقبة وأجراس الأبواب الذكية من أدوات أمان إلى نقاط ضعف محتملة. هناك حوادث موثقة تم فيها اختراق كاميرات منزلية والتحدث إلى الأطفال عبر مكبر الصوت، أو بث مقاطع مباشرة من داخل المنازل على الإنترنت. ببساطة، الكاميرا التي يفترض أن تحميك قد تصبح عينًا تراقبك.
التلفزيونات الذكية والمساعدات الصوتية تمثل مستوى آخر من المخاطر. هذه الأجهزة مزودة بميكروفونات تنتظر كلمات مفتاحية لتفعيل الأوامر الصوتية. في حال اختراقها، يمكن تحويلها إلى أجهزة تنصت دائمة، تلتقط الأحاديث اليومية داخل المنزل. كما يمكن تحليل أنماط المشاهدة والاهتمامات، وبيع هذه البيانات أو استخدامها في عمليات احتيال واستهداف دقيق.
لكن التهديدات الأكثر إثارة للقلق تتعلق بالسيارات الحديثة. فالسيارات المتصلة بالإنترنت تعتمد على أنظمة تشغيل وتحديثات سحابية وتطبيقات تحكم عن بُعد. في سيناريو اختراق متقدم، يمكن تتبع موقع السيارة بشكل لحظي، وإنشاء خريطة كاملة لتحركاتها اليومية: متى تغادر المنزل، أين تتوقف، كم تمكث في كل موقع. بعض الأنظمة تعتمد على تفعيل التسجيل الصوتي عند التقاط كلمات مفتاحية داخل المقصورة، وإذا تم استغلال هذه الخاصية بشكل خبيث، فقد تتحول السيارة إلى جهاز تسجيل متنقل للمحادثات الخاصة. وفي حالات أكثر خطورة، قد يتم التقاط صور من الكاميرات المحيطة بالسيارة، أو استغلال أنظمة الدخول بدون مفتاح لفتح الأبواب عن بُعد.
في الشوارع والمؤسسات، تتزايد المخاطر مع انتشار كاميرات المراقبة العامة، وأجهزة البصمة، ونقاط البيع الإلكترونية. اختراق هذه الأنظمة قد يؤدي إلى تسريب بيانات العملاء، أو سرقة معلومات بطاقات الدفع، أو تعطيل خدمات كاملة عبر هجمات الفدية. كما يمكن للقراصنة استخدام أجهزة ضعيفة الحماية لتكوين شبكات ضخمة من الأجهزة المخترقة تُستعمل في شن هجمات إلكترونية واسعة النطاق.
الدوافع وراء هذه الاختراقات متعددة. بعضها يهدف إلى التجسس وجمع المعلومات، وبعضها للابتزاز عبر الصور أو التسجيلات، أو لسرقة الأموال والبيانات. وهناك أيضًا من يسعى لبناء قواعد بيانات ضخمة عن تحركات الأفراد وسلوكياتهم لاستخدامها في الاحتيال أو البيع في الأسواق السوداء الرقمية.
تقنيًا، يحدث الاختراق غالبًا بسبب كلمات مرور ضعيفة أو افتراضية لم يتم تغييرها، أو إهمال تحديثات النظام، أو تحميل تطبيقات غير موثوقة، أو الاتصال بشبكات إنترنت عامة غير آمنة. أحيانًا يكفي الضغط على رابط تصيّد واحد لمنح المهاجم مدخلًا إلى عالم كامل من البيانات الشخصية.
ورغم الصورة القاتمة، فإن الوقاية ممكنة وبسيطة نسبيًا. يبدأ الأمر بتأمين الشبكة المنزلية عبر تغيير كلمة مرور الراوتر واستخدام أحدث معايير التشفير، وإنشاء شبكة منفصلة لأجهزة المنزل الذكي. كما يجب تحديث الأجهزة باستمرار، واستخدام كلمات مرور قوية وفريدة لكل حساب، وتفعيل المصادقة الثنائية حيثما أمكن. ومن الحكمة أيضًا تعطيل الميزات غير الضرورية مثل الميكروفون أو الكاميرا عند عدم الحاجة إليها، وشراء الأجهزة من شركات توفر تحديثات أمنية منتظمة.
الواقع أن التكنولوجيا ليست عدوًا، لكنها أداة تحتاج إلى وعي في استخدامها. الأجهزة الذكية وفرت لنا مستوى غير مسبوق من الراحة والكفاءة، إلا أن الثمن قد يكون خصوصيتنا إذا أهملنا الجانب الأمني. في عالم متصل على مدار الساعة، يصبح الأمن الرقمي مسؤولية يومية، لا تقل أهمية عن إغلاق باب المنزل بالمفتاح.
* م. هاني محمود البطش
استشاري الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي