الاصطفاف أمام منازل الآخرين: تصرف عابر أم اعتداء على الخصوصية؟
ماهر البطوش
17-02-2026 11:22 PM
في كثير من الأحياء السكنية، لم تعد مشكلة الضجيج وحدها ما يزعج الناس، بل ظهرت ظاهرة أصبحت تتكرر بشكل لافت وتخلق احتقان صامت بين الجيران، تتمثل في قيام بعض الأشخاص بالاصطفاف أمام منازل الآخرين، أو الوقوف المتكرر أمام بيت بعينه لقضاء حاجة معينة، أو انتظار شخص، أو الحديث عبر الهاتف، أو البقاء لفترات طويلة وكأن هذا المكان لا يخص أحداً. وقد يعتقد البعض أن الأمر لا يستحق النقاش، طالما أن الشارع طريق عام، إلا أن الواقع يقول إن المسألة ليست بهذه البساطة، لأنها تمس حدود الخصوصية وراحة الناس، وتطرح سؤال جوهري: متى يكون الوقوف حق مشروع، ومتى يتحول إلى تعدي وإزعاج؟.
فالمنزل ليس مجرد بناء، بل هو مساحة خاصة يشعر فيها الإنسان بالأمان والاستقرار، وهو المكان الذي يُفترض أن تُغلق عنده أبواب القلق والضيق، وحين يجد صاحب المنزل بشكل متكرر مركبة تقف أمام بيته أو أشخاص يتخذون من مدخل منزله محطة انتظار، فإن الشعور الطبيعي الذي يتولد ليس فقط الانزعاج، بل فقدان الطمأنينة، وكأن خصوصيته أصبحت مستباحة دون إذن. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن الأذى لا يكون دائماً مادياً، بل قد يكون أذى نفسي ومعنوي يمس الراحة والكرامة والسكينة.
ومع تكرار هذا السلوك، يتحول الأمر من مجرد وقوف عابر إلى عبء يومي يخلق توتر داخل الأسرة، ويثير حساسية اجتماعية، ويزرع الشكوك والضيق في بيئة من المفترض أن تقوم على الهدوء وحسن الجوار، فالوقوف أمام منزل الآخرين قد يمنع صاحب المنزل من إدخال مركبته أو إخراجها بسهولة، وقد يربك حركة السير في الشوارع الضيقة، وقد يشغل المواقف التي يعتمد عليها السكان وزوارهم، بل وقد يضع أهل المنزل في حرج أمام ضيوفهم، وكأن مدخل البيت لم يعد تحت سيطرتهم. وهكذا يصبح تصرف بسيط سبب مباشر لنزاع قد يبدأ بصوت مرتفع وينتهي بخصومة طويلة.
ومن زاوية أخرى اوسع، فإن هذه التصرفات لا تمس الأفراد فقط، بل تمس النظام العام بمعناه الحقيقي، فالنظام العام لا يعني الأمن فقط، بل يشمل أيضاً السكينة العامة وراحة الناس، وهي من القيم التي تحرص الدولة على صونها لأنها أساس الاستقرار المجتمعي، وحين يتحول الشارع في الأحياء السكنية إلى مساحة للفوضى في الوقوف والاصطفاف، فإن ذلك يخلق اضطراب في الحياة اليومية، ويضعف شعور المواطنين بالأمان داخل محيطهم الخاص، ويؤسس لمشاكل اجتماعية لا داعي لها.
ومن الناحية القانونية، فإن الشارع العام حق للجميع، لكن هذا الحق ليس مطلقاً، لأن القانون لا يحمي حقاً يُمارس بطريقة تضر الآخرين، فالأصل في استعمال الطريق العام أن يكون ضمن حدود النظام والأنظمة المرورية، وبما لا يؤدي إلى التضييق أو تعطيل مصالح الغير، ولهذا فإن الوقوف أمام منزل الغير لا يُنظر إليه فقط من زاوية المكان، بل من زاوية الأثر والنتيجة، فإذا ترتب عليه إعاقة أو إزعاج أو تضييق، فإن الفعل يفقد مشروعيته ولو كان صاحبه يعتقد أنه لم يرتكب خطأ.
كما أن القواعد العامة في القانون المدني تقرر مبدأ ثابت وهو أن الضرر لا يجوز أن يُترك بلا جبر، وأن كل فعل سبب ضرر للغير يرتب مسؤولية على فاعله، فليس من العدالة أن يتحمل المواطن إزعاج متكرر أو تعطيل في مصالحه أو تضييق أمام منزله بحجة أن الطرف الآخر يقف في شارع عام، فالقانون في جوهره لا ينظر إلى النوايا بقدر ما ينظر إلى النتائج، فإذا تحقق الضرر ثبتت المسؤولية.
وفي الوقت ذاته، فإن العرف الاجتماعي لا ينفصل عن القانون، بل يشكل امتداد له، لأن احترام الجار ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل هو أحد أسباب استقرار المجتمع، فالبيوت ليست محطات انتظار، ومداخل المنازل ليست أماكن مفتوحة للاستخدام اليومي من قبل الآخرين، ومن يحرص على احترام خصوصية الناس، إنما يحمي نفسه قبل غيره، ويحمي الحي من النزاعات التي تبدأ من موقف سيارة وتنتهي بما لا يُحمد عقباه.
والحقيقة أن أكثر ما يفاقم هذه الظاهرة هو الاستهانة بها، إذ يظن البعض أن الوقوف أمام منزل الغير لا يترك أثراً، بينما هو في الواقع يخلق شعور بالتعدي، ويُضعف الإحساس بالأمان، ويجعل الحياة اليومية في الحي السكني قائمة على التوتر بدل السكينة، فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب الجرائم الكبرى، بل تتعب وتنهك بسبب السلوكيات الصغيرة المتكررة التي تزرع الاستفزاز في النفوس.
وفي النهاية، فإن هذه المسألة لا تحتاج إلى تشديد النصوص بقدر ما تحتاج إلى وعي حقيقي، لأن الطريق العام وإن كان مشتركاً، إلا أن احترام الآخرين وخصوصيتهم واجب لا يقل أهمية عن أي حق. ويبقى المبدأ الذي يجمع الأخلاق والقانون والنظام العام واضحاً: الطريق للجميع، لكن الخصوصية ليست مباحة، والحرية لا تكتمل إذا كانت سبباً في إزعاج الغير أو التضييق عليه.
فالوقوف أمام منازل الناس قد يكون فعلاً بسيطاً في نظر البعض، لكنه في حقيقته قد يتحول إلى تعدي على السكينة واعتداء على الخصوصية، وما كان صغيراً في بدايته قد يصبح شرارة لنزاع كبير لو غاب الاحترام وغاب الوعي.