facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الضمان الاجتماعي "بعد التعديل" ما لا يقال في "العناوين"


فيصل تايه
19-02-2026 10:20 AM

حين أقر مجلس الوزراء الأسباب الموجبة لمشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة ٢٠٢٦، لم يكن ذلك الا انعكاساً لحسابات طويلة المدى للحظة وعي مؤسسي ناضج ، لحظة تدرك فيها الدولة أن أخطر ما قد تواجهه ليس الاعتراض اللحظي، بل تأجيل القرارات المصيرية حتى تتحول إلى أزمات يصعب حلها ، فالضمان الاجتماعي، في جوهره العميق، ليس مجرد قانون ينظم العلاقة بين العامل وصندوق التقاعد، بل عمود أساسي في العقد الاجتماعي ، وأي خلل فيه يتراكم بصمت حتى يصبح تهديداً مباشراً للاستقرار الاجتماعي والمالي معاُ.

علينا ان ندرك مخاوف المواطنين تجاه أي تعديل على نظام الضمان الاجتماعي، ومن هنا جاء التعديل بمنهج تدريجي ومحسوب بعناية، ليضمن حماية الحقوق المكتسبة لكل مواطن، ويحقق الاستدامة للنظام على المدى الطويل، بعيداً عن أي انفعال أو قرار مرتجل ، لذلك فان قراءة المشروع على أنه محاولة لتقليص الحقوق هي سطحية لا تصل إلى الجوهر ، اذ ان فلسفة التعديل تقوم على حماية الحقوق من التآكل البطيء ، تآكل لا يشعر به الجيل الحالي، لكنه ينهار فجأة أمام الجيل القادم ، فالفرق بين الدولة التي تصلح بهدوء والدولة التي تصحو على أزمة مفاجئة ليس في النوايا، بل في الشجاعة على اتخاذ القرارات الصعبة قبل أن تتحول أزمة لا علاج لها.

المشروع جاء لإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، لإعادة ترتيب العلاقة بين العمل والتقاعد ضمن منطق عقلاني يتوافق مع تحولات العصر ، فارتفاع متوسط الأعمار، وتغير أنماط العمل، واتساع الاقتصاد غير التقليدي، كلها حقائق لا يمكن التعامل معها بقوانين وضعت لعصر وسوق عمل مختلفين ، والاستمرار في تجاهل هذه الحقائق ليس حماية للحقوق، بل مغامرة مجازفة بمستقبل المجتمع.

ان تعزيز استقلالية المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي يتجاوز البعد الإداري إلى البعد الوطني الاستراتيجي ، من خلال إدارة أموال المؤمن عليهم ضمن حوكمة صارمة ومنهج قائم على دراسات اكتوارية وليس على ردود فعل آنية، يرسل رسالة مزدوجة "للمشترك" بأن أمواله تدار بمسؤولية، و"للدولة" بأن أحد أهم صناديقها السيادية محصن من الارتجال ، هذا التحول في اتخاذ القرار يميز الإصلاح الحقيقي عن التعديل الشكلي، ويؤسس لمستقبل واضح ومستدام.

تنظيم التقاعد، إحدى أكثر القضايا حساسية، عولج بحذر دون الانزلاق إلى الشعبوية أو الصدام ، فإعادة التقاعد الوجوبي إلى موقعه كأصل، وحصر التقاعد المبكر في إطار استثنائي مضبوط، ليس انتقاصاً من قيمة العامل، بل اعترافاً بقيمة العمل ذاته ، فالمجتمعات لا تبنى بخروج واسع من سوق الإنتاج، ولا تحمى أنظمتها التأمينية حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة ، ومع ذلك، نص المشروع واضح في حماية الحقوق المكتسبة، مؤكّداً أن من بنى حياته على القواعد السابقة لن يُترك في منتصف الطريق.

كما وان رفع سن الشيخوخة جاء نموذجاً للإصلاح المتدرج : لا صدمة، لا ارتباك، بل وقت كاف للتكيف ، فالرفع ليس فورياً، بل تدريجي محسوب، يكاد يكون غير محسوس لمن هم على مشارف التقاعد، بينما يتوافق منطقياً مع من لا تزال أمامهم سنوات طويلة في سوق العمل ، ليس هذا إطالة قسرية، بل مواءمة ضرورية بين سنوات العطاء وسنوات الاستفادة.

واما على الصعيد الاجتماعي، فالمشروع يرسل رسالة لا تقل قوة عن رسالته المالية مفادها ان الاستدامة لا تنفصل عن العدالة ، فرفع الحد الأدنى للرواتب التقاعدية، وتوسيع مظلة الحماية لتشمل أنماط العمل الحديثة، وإعادة تنظيم الانتساب الاختياري، كلها مؤشرات على أن الإصلاح لم يُبنى بأرقام جامدة، بل بمنطق الإنسان الذي يقف في قلب أي نظام حماية اجتماعية ناجح ، فالضمان الاجتماعي القوي ليس مجرد توازن في دفاتر الحسابات، بل حفظ كرامة من أفنوا أعمارهم في العمل.

وفي مواجهة التهرب والتلاعب، اختار المشروع لغة الدولة الواثقة، لا لغة الردع الأعمى ، العقوبات صارمة، لكنها ترافق نافذة للتصويب دون غرامات، إدراكاً أن الهدف ليس العقوبة لذاتها، بل إعادة الجميع إلى مظلة القانون، حماية الحقوق، وترسيخ ثقافة الالتزام الواعي، لا المبني على الخوف.

بقي ان اقول : ان مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة ٢٠٢٦ لا يطلب من الناس أن يثقوا به عاطفياً ، بل يدعوهم إلى قراءته بعقل بارد وضمير يقظ ، مشروع لا يدعي الكمال، لكنه يتقدم بشجاعة نحو الإصلاح المتدرج الذي يحفظ الحقوق، يصون النظام، ويضع مصلحة المجتمع على المدى البعيد فوق إغراء الراحة الآنية ، في زمن تؤجل فيه القرارات الصعبة غالباً ، ليثبت هذا المشروع أن الدولة التي تفكر بالمستقبل لا تخشاه، بل تتهيأ له بعقلانية ومسؤولية.

والله الموفق.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :