facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين دافوس وميونخ والدوحة: كيف يتغيّر موقع الشرق الأوسط؟


سمير حمدان - بودابست
20-02-2026 09:26 PM

العالم لا يلتقي في هذه المؤتمرات من باب المجاملة، بل ليختبر موازين القوة ويعيد ترتيب أولوياته. ومن يتابع مسار العام الدولي يلاحظ أن صورة الشرق الأوسط تتبدل من منصة إلى أخرى، لكن الثابت في أغلب الأحيان ليس قوتنا، بل محدودية قدرتنا على تحويل عناصر القوة إلى قرار سياسي مؤثر.

في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، تُقاس المكانة بحجم الاستثمار، وبالقدرة على التأثير في حركة رأس المال والطاقة والتكنولوجيا. هنا يظهر بعض الحضور العربي واثقاً، مدعوماً بصناديق سيادية ضخمة، ومشاريع تنويع اقتصادي، واستثمارات عابرة للقارات. تبدو بعض دول المنطقة وكأنها انتقلت من موقع الباحث عن التمويل إلى موقع الشريك في صياغة مساراته. هذه صورة إيجابية، لكنها ليست مكتملة. فالمال وحده لا يصنع موقعاً دائماً، إن لم يُترجم إلى رؤية سياسية واضحة تحميه وتوجهه.

بعد أسابيع، في مؤتمر ميونخ للأمن، يتغير المشهد. لا يُسأل الشرق الأوسط هناك عن مشاريعه التنموية، بل عن احتمالات التصعيد، وعن استقرار الممرات البحرية، وعن تداعيات النزاعات على أوروبا والعالم. يتحول من شريك اقتصادي محتمل إلى مساحة قلق ينبغي احتواؤها. هنا يظهر الخلل بوضوح: نحن نملك موارد، لكننا لا نملك في كثير من الأحيان قدرة جماعية على ضبط بيئتنا الأمنية أو إنتاج تسويات داخلية تقلل من هشاشتنا.

ثم يأتي منتدى الدوحة ليطرح سؤال الشرعية الدولية: هل ما زال النظام الدولي قادراً على فرض قواعد متوازنة؟ في هذه المنصة يبدو العالم العربي في وضع معقد؛ فهو من جهة ساحة اختبار لفاعلية القانون الدولي، ومن جهة أخرى يسعى بعضه إلى لعب دور الوسيط في أزمات إقليمية ودولية. غير أن هذا الدور، رغم أهميته، يبقى جزئياً ومحدوداً، لأنه لا يستند إلى موقف عربي موحد أو إلى تصور استراتيجي مشترك لمستقبل الإقليم.

إذا جمعنا هذه الصور الثلاث، تتضح معادلة دقيقة. اقتصادياً، هناك تقدم ملحوظ في بعض الدول التي نجحت في بناء أدوات تأثير مالي واستثماري. أمنياً، ما زال الإقليم يُعامل باعتباره بؤرة توتر يجب احتواؤها. سياسياً، لا نزال نفتقر إلى قدرة جماعية على صياغة رؤية واضحة لموقعنا في النظام الدولي المتغير.

ضعفنا لا يكمن في غياب الموارد، بل في تشتت القرار. نملك الطاقة، ونملك الموقع الجغرافي الذي يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، ونملك فوائض مالية مؤثرة. لكننا لا نملك في معظم الأحيان آلية عربية قادرة على تحويل هذه العناصر إلى نفوذ منظم. القرارات الكبرى في الإقليم تُتخذ غالباً في إطار وطني ضيق، أو كرد فعل على أزمات، لا ضمن استراتيجية طويلة المدى تتعامل مع التحولات العالمية باعتبارها فرصة لا تهديداً فقط.

في المؤتمرات الدولية يظهر هذا الضعف بوضوح. عندما يجلس ممثلو الدول الكبرى إلى الطاولة، يحملون معهم تصورات متكاملة: أمن، اقتصاد، تكنولوجيا، تحالفات. أما نحن، فكثيراً ما نحضر بملفات منفصلة، وبخطاب دفاعي يشرح الأزمات بدلاً من أن يعرض مشاريع تتجاوزها. الفارق بين من يشرح مشكلته ومن يطرح رؤيته هو الفارق بين موضوع يُناقش وطرف يشارك في صناعة النقاش.

العالم يدخل مرحلة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، ويتراجع فيها اليقين بالقواعد القديمة. في هذه المرحلة، لا يكفي أن نكون ممولين أو منتجين للطاقة. المطلوب قدرة على بناء توازنات داخلية مستقرة، ومؤسسات قوية، وتنسيق إقليمي يقلل من التناقضات الحادة بين دول المنطقة. من دون ذلك سيظل حضورنا في دافوس اقتصادياً جزئياً، وفي ميونخ أمنياً هشاً، وفي الدوحة سياسياً دفاعياً.

السؤال الحقيقي ليس كيف يرانا الآخرون، بل كيف نرى أنفسنا. هل نعتبر مواردنا نقطة انطلاق لبناء نفوذ منظم، أم نكتفي بإدارتها ضمن حدود ضيقة؟ هل نمتلك شجاعة الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة، أم نبقى أسرى حسابات قصيرة الأمد؟.

المؤتمرات العالمية تكشف موقعنا، لكنها لا تحدده. موقعنا يُصنع في الداخل، في طريقة إدارة الخلافات، وفي قدرة مؤسساتنا على إنتاج قرار مستقر، وفي استعدادنا لبناء رؤية تتجاوز حدود الدولة الواحدة إلى أفق إقليمي أوسع. من دون هذا التحول سيبقى الشرق الأوسط حاضراً بقوة موارده، لكنه ضعيف في صناعة القرار الذي يحدد اتجاهها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :