بين عامي ٢٠١٦ – ٢٠٢٦ .. أيامٌ في السّويد
أمل المشايخ
21-02-2026 07:02 PM
الترند الذي تصدر المواقع منذُ مطلعِ هذا العام أنّ ٢٠٢٦ هي ٢٠١٦ الجديدة؛ إذ يعيدون فيها (الموضى) والموسيقا التي ظهرت آنذاك ما يعكسُ الحنينَ لتلكَ المرحلة، أمّا أنا فأكثر ما أذكره من عام ٢٠١٦ هو زيارتي لمملكة السّويد حيثُ ثقافةٌ أخرى، ونمطٌ آخرُ للعيشِ هناكَ في دولةٍ اسكندنافيَّةٍ لا يفصلُك عن القطبِ الشَّمالي فيها سوى بضعِ مئاتٍ من الكيلومترات، هناكَ ثمَّةَ حسابٌ آخرُ لليلِ والنَّهارِ، وعددُ السِّنينِ والحسابِ؛ أنتَ في قلبِ الليلِ حيثُ لا نهارَ في النِّصفِ الأوَّلِ من السَّنةِ، وأنتَ في قلبِ النَّهارِ حيثُ لا ليلَ في نصفِها الآخر، فليسَ لكَ أنْ تقولَ صباحًا أو مساءً، هناكَ نظامُ السّاعاتِ الأربعِ والعشرين حيثُ لا صباحَ ولا مساءَ معظمَ أيامِ السَّنة؛ ليلٌ وثلجٌ يصلُ إلى خمسين سنتمترًا أو يزيدُ، ودرجةُ حرارةٍ دونَ الصِّفرِ المئويّ بكثيرٍ، ولا غيابَ لمعنى الحياةِ؛ فالموظّفون في مكاتبهم، والأطفالُ في الطَّريقِ إلى مدارسِهم، وكاسحاتُ الثَّلجِ في البلديّاتِ كما في البيوتِ، الجميعُ يواجهُ معركتَه مع الطَّبيعةِ القاسيةِ.
في طريقِك إلى البيوتِ أنتَ تسيرُ وسطَ الغابةِ أوْ قلْ خلفيّةُ اللوحةِ حيثُ أشجارُ الصّنوبرِ الباسقةُ وبيوتٌ بسقُفِها القرميديَّةِ، أمّا أرضُ الغابةِ فليسَ إلا العشبُ الأخضرُ يتخلَّلُه الفِطرُ من كلِّ نوعٍ، والتّوتُ البريُّ بلونيه الأحمرِ والأزرقِ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشِّمالِ، هنا تُعدُّ الغابةُ أمًّا رؤومًا؛ إذْ يعتاشُ كثيرٌ من النّاسِ على الخشبِ الذي تُعدُّه الحكومةُ في فصلِ الصَّيفِ ويخزّنُّه النّاسُ في مخازنَ سقُفها منْ القرميدِ أيضًا لأيامِ الشِّتاءِ الطَّويلةِ؛ لتتصاعدَ سحبُ الدُّخانِ منْ مداخنِ البيوتِ حيثُ رائحةُ الصَّنوبرِ بخورًا يملأُ الفضاءَ.
هلْ تذكرونَ الطَّريقَ إلى بيتِ (جدَّةِ ليلى) في القصّةِ الكرتونيَّةِ الجميلةِ؟ أنتَ هناكَ في الطَّريقِ إلى كلِّ البيوتِ وليسَ بيتَ جدَّتِك فقط، بوسعِكَ أنْ تأكلَ الذُّرةَ المسلوقةَ، وتحتسيَ الشّايَ وتستمعَ إلى الحكايا – ولا يهمُّ هنا إنْ كانتْ حكايا المساءِ أو الصَّباحِ - حيثُ تنتصرُ الحياةُ ويولّي المواتُ هاربًا؛ فالبقاءُ لكرامةِ الإنسانِ التي حينَ تحضرُ يحضرُ معها كلُّ معاني الجمالِ والإنسانيّةِ.
بحرُ البلطيقِ على بعدِ أمتارٍ، والنَّهرُ يزنِّرُ المدينةَ، أنتَ رفيقُ الماءِ وابنُه حينَ تغيبُ الصَّحراءُ ولكنْ لا يغيبُ المدى، ويغيبُ الصَّبارُ وتحضرُ الخضرةُ الدّائمةُ؛ لتجدَ نفسَك تعيشُ في قلبِ القصيدةِ؛ فما زالت الغابةُ أمَّا رؤومًا؛ إذْ يشكِّلُ التّوتُ البَريُّ مصدرَ رزقٍ لكثيرٍ من النّاسِ، يبيعونه طازجًا أو يصنعون منه المربّى وأنواعًا من الحلوى.
في السّويد لمْ تعدْ أوروبا قارةً عجوزًا؛ إذ ْبدأَ جيلٌ من الأطفالِ يملأ المكانَ عذوبةً ومشاكسةً وصخبًا؛ إذْ بدأت الحكومةُ تشجِّعُ الأزواجَ الشَّبابَ على الإنجابِ في مشروعٍ لزيادةِ الكثافةِ السُّكانيةِ التي تكادُ تنعدمُ في مساحاتٍ شاسعةٍ من البلادِ لا سيِّما في الشَّمال حينَ تقتربُ من الدّائرةِ القطبيَّةِ.
في المدارسِ حيثُ التَّعليمُ المجانيُّ للجميعِ – مواطنين ومقيمين بلْ ولاجئين – يشكِّلُ قبولُ الآخرِ قيمةً مهمَّةً منْ قيمِ التَّعليمِ هناك؛ إذْ يدرسُ الصِّغارُ تاريخَ الأديانِ وموادَّ في البحثِ والاستقصاءِ، كلُّ ذلك أفضى إلى حسٍّ عالٍ بالمسؤوليَّةِ واحترامِ المدرسةِ والدَّرسِ؛ فيذهب التَّلاميذُ إلى المدرسةِ بدونِ زيٍّ رسميٍّ (uniform)، وكأنَّ ذلكَ رسالةٌ للتّلميذ تقول: أنتَ محطُّ الثِّقةِ ومناطُ المسؤوليةِ، بوسعِكَ الآنَ أنْ تلبسَ ما تشاءُ؛ فلنْ تكونَ إلا ملتزمًا محافظًا يتشرَّفُ بكَ المكانُ.
الدِّيمقراطيَّةُ بأصدقِ معانيها هناكَ حينَ تولَّى رئاسةَ الوزراءِ اثنان من الشَّباب؛ فالخبرةُ والحكمةُ ليستا حكْرًا على الشُّيوخِ، والمناصبُ لا يورِّثها الأجدادُ لأحفادِهم .. تلكَ مملكةُ السِّويدِ التي دخلت الاتِّحادَ الأوروبيَّ منذُ نحوِ ثلاثين عامًا تجدُ فيها عراقةَ القارَّةِ وخصوصيَّةَ البلدِ، البلدُ التي تتصدَّرُ فيها صورةُ امرأةٍ العملةَ من فئة العشرين (كورونا) سألتُهم مَنْ تكونُ تلكَ المرأةُ؟ – وكنتُ أظنُّها ملكةَ السّويد- قالوا: إنَّها صورةُ سلمى لاغرلوف (1858-1940م) الرِّوائيةِ التي حازتْ على جائزةِ نوبلَ في الأدب عام 1909م نظرًا لجهودِها في مجالِ إعلاءِ القيمِ الإنسانيَّةِ النبيلةِ في أعمالِها؛ لتصبحَ واحدةً منْ أعضاءِ لجنةِ الجائزةِ بعدَ ذلك.
المطرُ والمرأةُ ميمان يقفان مع دال الدّيمقراطيَّة؛ ليجعلا من السّويد دولةً تأتي باستمرارٍ على رأسِ قوائمِ محوِ الأميَّةِ، والصِّحةِ، والتَّنميةِ البشريَّةِ.