من مليارات صندوق الضمان إلى قوة إنتاج وطنية: هل نمتلك الجرأة المدروسة؟
أ.د احمد منصور الخصاونة
22-02-2026 06:10 PM
حين نتحدث عن صندوق الضمان الذي يدير أكثر من 12 مليار دينار، فنحن لا نتحدث عن رقمٍ جامد في بندٍ محاسبي، بل عن فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني على أسس إنتاجية مستدامة. هذه الكتلة المالية ليست مجرد احتياطي تقاعدي، بل يمكن أن تكون رافعة تنموية إذا أُحسن توظيفها ضمن رؤية استثمارية مؤسسية بعيدة المدى.
الواقع الاقتصادي من حولنا يشي بأن الفرص ليست نادرة. الجامعات الخاصة تحقق هوامش ربح صافية بعد الضريبة تتراوح بين 30–40% وفق خبرات إدارية مباشرة في هذا القطاع. المدارس الخاصة تنمو بوتيرة عالية. المستشفيات الخاصة والقطاع الطبي عمومًا يشهدان توسعًا مستمرًا. الاستثمار في الذهب والفضة والمعادن يُستخدم عالميًا كأداة تحوّط وتنويع. البنوك تعزز رؤوس أموالها سنويًا، وبعضها حقق في عام 2025 نسب أرباح صافية لافتة. شركات الاتصالات تواصل تحقيق نمو قوي، وقطاع الطاقة المتجددة بات خيارًا استراتيجيًا لا ترفًا استثماريًا. كما أن الشراكات الصناعية مع الشركات الصينية في مجال السيارات الكهربائية تفتح الباب للاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة التي يتمتع بها الأردن.
إذًا السؤال ليس: هل توجد فرص؟
السؤال الحقيقي: لماذا لا يكون صندوق استثمار أموال الضمان لاعبًا مؤسسًا في هذه القطاعات بدل أن يكتفي بدور المتفرج؟
المعادلة لا تتعلق بالمغامرة، بل بإدارة المخاطر بذكاء. تأسيس بنك متخصص، نقل صناعة نوعية وتشغيلها في الأردن، إنشاء جامعة طبية تحدّ من الهجرة التعليمية، الدخول في مشاريع طاقة بعقود شراء طويلة الأجل… هذه ليست رهانات عشوائية، بل أدوات استثمارية معروفة إذا أُديرت بعقلية القطاع الخاص وحوكمة صارمة يمكن أن تحقق أثرًا مزدوجًا: تعظيم عوائد الصندوق وتقليل البطالة.
التصور يتجاوز فكرة الاستثمار المتفرق نحو بناء منظومة متكاملة، مثل:
مستشفى ضمان الطبي كمرجعية صحية بمعايير اعتماد دولية.
جامعة ضمان للعلوم الطبية تربط التعليم بالتدريب السريري والبحث التطبيقي.
جامعة ضمان للعلوم التطبيقية تستجيب لحاجات السوق الهندسية والتقنية.
بنك ضمان الاستثماري كذراع تمويلي موجّه للقطاعات الإنتاجية.
شركة اتصالات تنافسية تدعم التحول الرقمي.
مشروع وطني لصناعة السيارات الكهربائية تحت علامة DYD – Daman Is Your Dream، يستلهم نماذج عالمية ناجحة مثل BYD ولكن بسلسلة قيمة محلية وهوية أردنية.
الجوهر هنا ليس إنشاء مؤسسات تقليدية، بل تأسيس منظومة استثمارية ذات عوائد تشغيلية، قائمة على تنويع مصادر الدخل وتقليل المخاطر ونقل التكنولوجيا وخلق وظائف نوعية. الشرط الحاسم هو فصل الملكية عن الإدارة: تبقى الملكية للصندوق حمايةً لأموال المشتركين، بينما تُسند الإدارة والتشغيل للقطاع الخاص عبر عقود تنافسية، ومؤشرات أداء واضحة، وإفصاح دوري يضمن الشفافية والمساءلة.
لا أحد يطالب بمخاطرة عمياء، ولا بتوسع غير محسوب، ولا بإدارة بيروقراطية تقليدية. المطلوب رؤية طويلة المدى، تشريع داعم، وحوكمة مؤسسية صلبة. فالضمان ليس مجرد مظلة تقاعد؛ هو أداة استقرار اقتصادي يمكن أن تتحول إلى محرك نمو إذا توافرت الإرادة والاحتراف.
يبقى السؤال الجوهري:
هل نكتفي بعوائد تقليدية آمنة، أم نمتلك الجرأة المدروسة لنحوّل 12 مليار دينار إلى قوة إنتاج حقيقية تخدم الأجيال القادمة؟
المستقبل لا يُنتظر… بل يُستثمر.
وحين تُدار الأموال بعقل استثماري مؤسسي، يتحول الحلم إلى صناعة.