قانون الضمان 2026… إصلاح ضروري أم عبء اجتماعي جديد؟
الدكتور حسين الطراونة
22-02-2026 06:11 PM
حين يُطرح تعديل على قانون الضمان الاجتماعي، فالأمر لا يتعلق بتغيير نصوصٍ أو تعديل نسبٍ وأرقام، بل بمراجعة عقدٍ اجتماعي يمسّ كل بيت أردني. الضمان ليس مؤسسة مالية فحسب؛ إنه شبكة أمان، وصمام استقرار، وأحد أعمدة الثقة بين الدولة والمواطن. ولذلك، فإن السؤال اليوم ليس: هل نُصلح؟ بل: كيف نُصلح… ومن يدفع كلفة الإصلاح؟
مسودة القانون المعدّل لسنة 2026 تأتي في ظرف اقتصادي وديمغرافي ضاغط. رفع سن التقاعد تدريجياً حتى 65 عاماً للذكر و60 للأنثى، وزيادة شرط الاشتراكات الفعلية إلى 240 اشتراكاً، وتشديد قيود التقاعد المبكر؛ كلها خطوات تهدف إلى تعزيز الاستدامة المالية وإغلاق منافذ الاستنزاف التي أثقلت الصندوق لسنوات. من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار أن الإصلاح بات ضرورة، وأن أي نظام تقاعد لا يوازن بين الداخل والخارج محكومٌ عليه بالاختلال.
كذلك، فإن الفصل بين المسار التأميني والمسار الاستثماري، وإنشاء مجالس متخصصة، يعكس توجهاً لتعزيز الحوكمة والتخصص. وتشديد العقوبات على التهرب من الاشتراكات يرسل رسالة واضحة: لا عدالة إذا التزم البعض وتهرّب البعض الآخر.
غير أن الإصلاح المالي، مهما كانت ضرورته، لا يُقاس بالأرقام وحدها. فرفع سن التقاعد وزيادة متطلبات الاشتراك قد يضعان عبئاً مباشراً على فئات تعاني أصلاً من انقطاعات في العمل أو من هشاشة وظيفية مزمنة. هنا يكمن جوهر التحدي: هل نُعيد التوازن للصندوق من دون أن نخلّ بالتوازن الاجتماعي؟
أما تحويل تأمين التعطل عن العمل إلى حساب ادخاري فردي، فهو يعزز الانضباط الشخصي، لكنه يثير سؤالاً سياسياً وأخلاقياً في آنٍ واحد: ماذا يحدث في الأزمات الكبرى حين لا تكفي المدخرات الفردية لمواجهة موجة بطالة عامة؟ التأمين الاجتماعي، في جوهره، تضامنٌ بين الأجيال والقطاعات، لا مجرد دفتر حساب.
ومن زاوية الحوكمة، فإن اتساع الصلاحيات التنفيذية داخل المؤسسة يستدعي ضمانات رقابية أوضح. قوة الإدارة ميزة، لكن أي خلل في التوازن بين السلطة والرقابة قد ينعكس مباشرة على أموال المؤمن عليهم. الثقة تُبنى بالشفافية والإفصاح والمساءلة، لا بالنوايا الحسنة وحدها.
ثمّة بعدٌ آخر لا يقل أهمية: كلفة بعض التعديلات على سوق العمل، خصوصاً فيما يتعلق باشتراكات الأمومة والتزامات المنشآت. إن لم تُصاحب الإصلاحات بسياسات داعمة، فقد تنعكس – دون قصد – على فرص تشغيل النساء أو على قدرة المنشآت الصغيرة على الاستمرار.
وأقولها بوضوح: أي إصلاح لا يُراعي التدرج الاجتماعي قد يفقد شرعيته الأخلاقية حتى لو كان سليماً مالياً. فالإصلاح الذي يُشعر المواطن بأنه وحده من يتحمل الكلفة، هو إصلاحٌ ناقص، مهما كانت مبرراته التقنية.
إن حماية الصندوق واجب وطني، لكن حماية الثقة العامة واجبٌ أعلى. المطلوب ليس التراجع عن الإصلاح، بل تحصينه: تدرّجٌ عادل في التطبيق، وضمانات حوكمة أكثر صرامة، وآليات حماية للفئات الأكثر هشاشة.
فالضمان الاجتماعي ليس معادلة اكتوارية فحسب؛ إنه مرآة لعدالة الدولة. وإذا حُفظت العدالة، حُفظ الصندوق.