facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين خطاب الحكومات ووعي الناس: من يخسر المصداقية؟


حسان سلطان المجالي
23-02-2026 03:23 PM

ليس من الدقة توصيف الشعب الأردني بأنه شعب متذمّر أو سريع الاعتراض ، بل إن التجربة الوطنية الممتدة تثبت أنه من أكثر الشعوب صبراً والتفافاً حول وطنه وقيادته ، وبأنه قادر على تحمّل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية عندما يشعر بأن هناك مصارحة وعدالة في توزيع الأعباء .

غير أن الإشكالية التي تتكرر عبر الحكومات المتعاقبة لا تكمن في طبيعة القرارات بحد ذاتها ، بل في طريقة تقديمها وإدارتها ، وفي الفجوة المتنامية بين الوعي الشعبي وخطاب الحكومات التبريري، فالمواطن الأردني لم يعد متلقياً سلبياً للقرارات، بل هو شريكاً واعياً يقرأ المؤشرات ويفهم السياقات ويقارن بين التصريحات والوقائع، وعندما تتعامل الحكومات مع هذا الوعي بمنطق الوصاية أو الخطاب المبهم أو محاولات التسويف فإنها لا تُضعف القرار فحسب، بل تُضعف الثقة به، وتحوّل أي إجراء قابل للنقاش إلى أزمة سياسية ومعنوية تتجاوز حجمها الحقيقي .

لقد أثبتت التجربة أن الاحتقان الشعبي غالباً لا ينفجر بسبب القرار ذاته ، وإنما بسبب غياب الشفافية في تبريره ، أو الشعور بانتقائية تحمّل الأعباء ، أو استخدام خطاب يوحي بأن المواطن لا يدرك تعقيدات المرحلة ، وهنا تحديداً تتشكل أزمة الثقة ، وهي أخطر من أي أزمة اقتصادية أو إدارية ، لأن فقدان الثقة يُسقط القدرة على الإقناع حتى لو كانت بعض القرارات مبرَّرة موضوعياً ..

ومن زاوية دستورية وسياسية ، فإن الحكومة لا تستمد مشروعيتها العملية من صلاحياتها القانونية فقط ، بل من قدرتها على إقناع الرأي العام بعدالة قراراتها ووضوح مساراتها ، فالشرعية الإجرائية لا تكفي دون شرعية الثقة ، وهذه الأخيرة لا تُبنى عبر الخطاب الإنشائي أو التطمينات العامة أو وضع المواطن في حلول ضيقة ، بل تكون عبر المكاشفة وتحمل المسؤولية والاعتراف بالأخطاء قبل الدفاع عن القرارات ..

إن المشكلة المتكررة تكمن في أن بعض الحكومات تراهن على صبر الأردنيين باعتباره ضمانة لتمرير السياسات الصعبة ، متجاهلة أن هذا الصبر نابع من الانتماء لا من القبول المطلق ، ومن الحرص على الاستقرار لا من غياب القدرة على الاعتراض ، والصبر عندما يُساء فهمه يتحول إلى شعور بالاستغفال ، وعندها تنتقل ردود الفعل من نقاش القرار إلى التشكيك في النهج ، ومن انتقاد السياسة إلى المطالبة برحيل القائمين عليها ،، كما إن استدعاء مفاهيم الولاء والانتماء في سياق تبرير القرارات الاقتصادية أو القانونية الحساسة يُعد خطأً سياسياً ، لأن هذه القيم تشكل أساس العلاقة الوطنية وليست أدوات لإدارة الجدل العام ، فالمواطن الذي يتمسك بولائه لوطنه يفعل ذلك انطلاقاً من قناعة راسخة ، لا باعتباره تفويضاً مفتوحاً للحكومات لتعديل السياسات أو القوانين بمعزل عن الحوار الحقيقي والشفافية ..

إن كرامة المواطن في وطنه ليست شعاراً سياسياً قابلاً للتأجيل ، بل قاعدة دستورية وأخلاقية ينبغي أن تنعكس في كل قرار يمس حياته المعيشية أو حقوقه الاجتماعية ، وعندما يشعر المواطن بأن كرامته أو شعوره بالعدالة أصبح مهدداً ، فإن المشكلة حينها لم تعد مالية أو إدارية ، بل تتحول إلى مسألة ثقة وهوية وعلاقة مع الدولة ..

لذلك ، فإن المطلوب من أي حكومة ليس تجنب القرارات الصعبة ، فكل الحكومات تواجه لحظات اضطرار ، وإنما إدارة هذه القرارات بعقلانية وشفافية واحترام لوعي المجتمع ،، فالمصارحة لا تُضعف الدولة بل تحصّنها ، والاعتراف بالتحديات لا يثير القلق بقدر ما يعزز الشراكة ، أما الغموض فيخلق فراغاً تملؤه الشائعات ويضاعف كلفة القرار سياسياً واجتماعياً ..

في المحصلة ، لا يحتاج الأردن إلى حكومات تجيد تبرير قراراتها بقدر ما يحتاج إلى حكومات تجيد بناء الثقة قبل اتخاذها ، فالشعوب التي تبقى قابضة على جمر الانتماء قادرة على تحمّل الصعوبات ، لكنها لا تقبل أن يتحول صبرها إلى أداة سياسية ، أو أن يُختبر وعيها بخطاب لا ينسجم مع الواقع ،،، وبين صبر الشعب وواجب الحكومات تبقى الشفافية هي الجسر الوحيد القادر على منع الأزمات من التحول إلى فجوة ثقة يصعب ردمها .

حفظ الله الأردن وأهله وقيادته بكل خير ..

* حسان سلطان المجالي /مستشار قانوني.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :