على الطريق: صيام وذكاء وجداني
أ.د سلطان المعاني
25-02-2026 12:34 AM
تزدحم طرقات المدن في رمضان قبيل أذان المغرب، ويصير الإسفلت دفترًا مفتوحًا في امتحانٍ يوميّ: كيف يقدّم الصائم صورته الأخلاقية حين يشتدّ الجوع والعطش، ويضيق الوقت، وتتراكم المهمات؟ هنا يطلّ سؤال الذكاء الوجداني باعتباره قدرةً على قراءة الانفعالات، وتهذيب ردود الفعل، وبناء جسور التعاطف مع الآخر، خصوصًا حين تتشابك المصالح في مترين من الطريق، وفي ثانيةٍ واحدة من القرار.
يتجسّد الذكاء الوجداني في تفاصيل صغيرة تبدو هامشية، ثم تتحول إلى سلامةٍ عامة. يظهر في يدٍ تخفف الضغط على المقود، وفي عينٍ تلتقط ارتباك سائقٍ جديد، وفي قدمٍ تؤثر التمهّل على المجازفة، وفي عقلٍ يراجع دوافعه قبل أن يطلق بوقه كحكمٍ قاسٍ على الآخرين. يشتغل الصوم، في جوهره، على تربية هذه المنطقة الحساسة من النفس، منطقة الغضب، والاندفاع، والغرور، والرغبة في فرض الطريق فرضًا، ثم يعلّمها لغة بديلة: صبر، رفق، كظم غيظ، رحمة.
تتراجع هذه المهارة أحيانًا في ساعات الصيام المتأخرة، حين تتداخل قلة النوم مع ضغط العمل، وحين تتضاعف مواعيد التسوق، وحين يرتفع منسوب القلق على البيت، والضيوف، والطعام، وحين يركض الناس خلف الدقيقة الأخيرة كأنها تعويضٌ عن نهارٍ كامل. عند هذه العتبة يغدو الطريق مسرحًا يؤدي إلى احتكاكٍ سريع، كلمة واحدة تجرّ كلمة، ومناورة خاطفة تستدعي مناورات، ثم تنفتح فجوةٌ بين الذي نطلبه من رمضان كمدرسة تهذيب، وبين الذي نمارسه في لحظة استعجال.
يحتاج الحديث عن الذكاء الوجداني إلى نقل البوصلة من «من المخطئ؟» إلى «كيف نحمي الجميع؟». فالحادث على الطريق يمتد إلى الجميع، وجرح الكرامة في مشادةٍ عابرة يطيل أثره داخل الأسرة، وفي مكان العمل، وفي لغة اليوم التالي. ويصير الأذى مضاعفًا حين يقع قبيل الإفطار، فيتحول موعد الرحمة إلى موعد توتر، وتتحول طقوس المشاركة إلى نقاشٍ محتقن حول سباق السيارات، وكأن المدينة تستبدل تسبيحها بضجيج غضبها.
يبني رمضان في الوجدان قيمًا واضحة: إطعام، مواساة، صدقة، صلة رحم، ويمنح أبوابًا واسعة للإحسان. ومع ذلك يبدأ الإحسان من لحظة القيادة نفسها. يترجم في التخطيط المبكر للخروج، وفي توزيع المشاوير على ساعات النهار، وفي ترك هامش زمني يصلح للطوارئ، وفي قبول فكرة أن الشارع مشترك، وأن سلامة الآخر من سلامتي. ويقوى هذا التحول حين نتذكر أن كل مركبة تحمل قصة: أمًا تستعجل العودة، عاملًا أنهكه النهار، مريضًا يبحث عن دواء، طالبًا يعود من امتحان، أبًا يريد أن يصل مبتسمًا قبل أن يرى أبناءه.
يبدأ تدريب الذكاء الوجداني على الطريق من ثلاثة مفاتيح بسيطة، الوعي، التنظيم، التعاطف. يرفع الوعي قدرة السائق على تسمية انفعاله: توتر، ضيق، غضب، ثم تحويله إلى سلوك هادئ. يخفف التنظيم عبء المفاجأة عبر مسارٍ معروف، ورسالةٍ مختصرة لمن ينتظر، وخياراتٍ بديلة عن الطرق المكتظة. ويمنح التعاطف مساحة للأخطاء البشرية: توقفٌ مفاجئ، إشارةٌ منسية، ترددٌ عند التقاطع، ولحظات تتسع بابتسامة أو إشارة إفساح، فتتحول الطاقة المتوترة إلى أمان.
تتعمق هذه المفاتيح حين تتحول إلى طقسٍ عمليّ قصير: شهيقٌ عميق عند الإشارة، ذكرٌ هادئ يضبط الإيقاع الداخلي، مسافة أوسع بين المركبات، وتذكّر أن دقيقة تأخير تحمي الجميع. ويتبدّل المزاج حين ينظر السائق إلى المشاة شركاء في اليوم، أطفالًا يعبرون، مسنّين يبحثون عن خطوة آمنة.
تتشارك المؤسسات دورها في إنضاج هذه الثقافة، عبر ضبط السرعة قرب الأسواق، والمدارس، وأحياء السكن، وعبر إنارة التقاطعات، ووضع إشاراتٍ أوضح، وتفعيل الدوريات في ساعات الذروة الرمضانية، مع حملات توعية تخاطب المشاعر قبل المخالفات. وتتقدم المدارس، والمساجد، ووسائل الإعلام خطوة إضافية حين تربط أدب الطريق بقيمة العبادة، وتعيد تذكير الناس بأن كظم الغيظ عبادة، وأن الرفق زينة السلوك، وأن سلامة المارة صدقة جارية.
يختم الطريق درسه حين نفهم أن الذكاء الوجداني ثقافة مدينة، ووجه وطن، ودرع حياة. وتستعيد الأسرة فرحها حين يصل السائق إلى بيته بوجه هادئ، فيضع السلام على الباب قبل الطعام، فيتسع المجلس مع ابتسامة، وتغدو المائدة امتدادًا لسكينة الطريق. فحين تهدأ السرعة تهدأ النفوس، وحين يشيع اللطف يزدهر احترام النظام، وحين يختار الناس الرفق يقترب رمضان من قيمته التي نحبها، قيمة الرحمة التي تنعكس على الجوارح قبل الألسنة.
الدستور