الضمان الإجتماعي ما بين التعديل والتطمين
هيلدا عجيلات
25-02-2026 04:00 PM
أدلى رئيس الوزراء،الدكتور جعفر حسان، يوم أمس بتصريحات رسمية حول تعديلات مشروع قانون الضمان الاجتماعي، في محاولة لاحتواء الجدل الواسع الذي رافق طرحه. ما حملته التصريحات من تأكيد على إدخال تعديلات، ومن تطمينات بعدم المساس بمستحقي التقاعد خلال السنوات الأربع المقبلة، يستحق قراءة متأنية تتجاوز العنوان السياسي إلى جوهر المسألة المتمثلة بالثقة بين المواطن ومنظومة يفترض أنها الحامي الأول لكرامته الاجتماعية.
الضمان الاجتماعي ليس مجرد صندوق مالي تُدار أرقامه في تقارير مغلقة، بل هو أحد أعمدة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. وعندما يهتز هذا العمود، فإن النقاش لا يعود تقنياً بحتاً، بل يصبح سؤالاً عن العدالة، والاستقرار التشريعي، وتحمل المسؤولية. لذلك، فإن أي تعديل – مهما كان مبرره المالي أو الاكتواري – لا يمكن عزله عن أثره على ثقة الناس بالمؤسسات العامة.
إن التأكيد على عدم المساس بحقوق المستفيدين خلال فترة محددة خطوة إيجابية من حيث الرسالة السياسية، لكنه لا يكفي إذا بقيت الحقوق المستقبلية رهناً بتعديلات تدريجية تمتد لسنوات دون وضوح كافٍ. فالمواطن لا يخطط لأربع سنوات فقط، بل يبني مساره المهني وحساباته المعيشية على استقرار طويل الأمد. وأي تغيير يمس شروط الاستحقاق أو سن التقاعد أو عدد الاشتراكات المطلوبة، يجب أن يُسبَق بتحليل أثر اجتماعي واقتصادي واضح، خاصة في ظل سوق عمل يعاني من بطالة مرتفعة وهشاشة في القطاع الخاص.
كما أن الحديث عن تعزيز الحوكمة واستقلالية مؤسسة الضمان يبقى ناقصاً دون التزام صريح بنشر الدراسات الاكتوارية كاملة، وإتاحة البيانات المالية والاستثمارية للرأي العام بلغة مفهومة. لا يمكن مطالبة المواطنين بتحمل تبعات إصلاحات مالية دون تمكينهم من الاطلاع على الأسس التي بُنيت عليها هذه القرارات. الشفافية ليست ترفاً إدارياً، بل شرطاً لاستعادة الثقة.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة الحريات في الانضمام والانسحاب وطبيعة العلاقة بين المؤمن عليه ومؤسسة الضمان. صحيح أن النظام يقوم على الإلزام بحكم القانون ويستند إلى مبدأ التضامن الاجتماعي، إلا أن هذه الصفة التنظيمية لا تُلغي أن العلاقة تقوم عملياً على التزامات مالية متبادلة: اشتراكات منتظمة مقابل حقوق تقاعدية محددة بشروط معلنة. وعندما يتم تعديل هذه الشروط بصورة جوهرية تمس التوقعات المستقبلية للمؤمن عليهم، دون ضمانات كافية، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول الإخلال بالتوازن التعاقدي. الإلزام القانوني يفرض على الدولة مسؤولية مضاعفة في احترام الاستقرار التشريعي، لأن المؤمن عليه لا يملك حرية الانسحاب أو إعادة ترتيب خياراته الادخارية كما في العقود الخاصة. وكلما تكررت التعديلات التي تمس جوهر الاستحقاقات، تراجعت الثقة حتى وإن ظل الإطار القانوني قائماً.
ولا يمكن الحديث عن استدامة الصندوق أو تحميل المشتركين أعباء إضافية دون التطرق بوضوح إلى التزامات الحكومة المالية تجاه الضمان الاجتماعي. إن أي ديون مترتبة على الحكومة يجب أن تكون معلنة بشفافية، ومجدولة زمنياً للسداد وفق خطة واضحة وملزمة، لأن استمرار تراكمها يُضعف المركز المالي للصندوق ويقوض الثقة به. كما أنه من الضروري فتح مراجعة جادة للممارسات والسياسات التي أدت إلى الاختلالات الحالية، ومحاسبة أي جهة قصّرت في إدارة الأموال العامة أو اتخذت قرارات أضرت بمصالح المشتركين. فالإصلاح الحقيقي لا يكتمل دون مساءلة، ولا تُبنى الثقة دون شعور المواطنين بأن المسؤولية تُحمَل فعلاً ولا تُرحَّل إلى الأجيال القادمة.
إن استعادة الثقة لا تتحقق بإجراءات شكلية أو رسائل تطمينية، بل عبر مسار إصلاحي واضح يقوم على الشفافية الكاملة، والمساءلة عن السياسات السابقة، وضمان العدالة في توزيع الأعباء بين الأجيال والفئات الاجتماعية. الضمان الاجتماعي ليس عبئاً على الدولة، بل التزاماً أخلاقياً وقانونياً تجاه من اقتطعوا من دخولهم سنوات طويلة أملاً بأمان مستقبلي. وأي إصلاح حقيقي يجب أن يوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، وأن يعيد بناء العلاقة بين الحكومة والمواطن على أساس المصارحة وتحمل المسؤولية، لا على أساس فرض الأمر الواقع.