الوجهات السياحية القوية: أين الاردن من ذلك؟
د. اسماعيل ابوعامود
26-02-2026 01:36 AM
مفهوم الوجهة ذات الهوية القوية يقوم على مجموعة عناصر متكاملة؛ أولها وضوح الرواية التي نقدمها للعالم، بحيث يعرف الزائر لماذا يأتي الى الاردن وماذا سيختبر. وثانيها الارتباط الحقيقي بالتراث الثقافي والطبيعي، بحيث لا تكون الهوية مجرد شعار تسويقي بل ممارسة فعلية تنعكس في في كثير من جوانب الحياه اليومية للسكان المحليين،وتظهر في والمنتج السياحي، وتجربة الزائر. وثالثها القدرة على إدارة النمو بطريقة مستدامة تحافظ على الموارد وتمنع الوصول إلى مرحلة التشبع السياحي التي تعاني منها العديد من الوجهات التقليدية.
يشهد العالم في المرحلة الراهنة تحوّلاً نوعياً في خريطة السياحة الدولية، حيث لم تعد الحركة السياحية تتركز فقط في الوجهات التقليدية المشبعة، بل تتجه بصورة متزايدة نحو ما يُعرف بالوجهات الناشئة ذات الهوية الواضحة (High-Identity, Emerging Destinations). هذه الوجهات لا تقوم على الترفيه السطحي أو البنية الفندقية الضخمة فحسب، بل تبني جاذبيتها على شخصية متفردة، وسردية ثقافية واضحة، وتجربة أصيلة ترتبط بالمكان والإنسان والبيئة.
وتشير المؤشرات الدولية الأولية لعام 2026 إلى أن السياحة العالمية تتجه نحو مزيد من النمو، مدفوعةً برغبة المسافرين في الاكتشاف والتجارب العميقة، وهو ما سبق أن أشرتُ إليه في مقالة عام 2024 عند الحديث عن مرحلة ما بعد التعافي وعودة الطلب السياحي بوتيرة متسارعة.
نجاح هذا النموذج في عام 2026 يتطلب قراءة دقيقة للمتغيرات العالمية، وفي مقدمتها التحول نحو السياحة المستدامة، وتصاعد أهمية التجربة الرقمية المتكاملة، وارتفاع توقعات الزوار فيما يتعلق بالجودة والخصوصية والأصالة.
لم يعد كافياً أن تمتلك الدولة مواقع أثرية أو طبيعة خلابة؛ بل أصبح مطلوباً أن تُدار هذه الموارد ضمن منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية، والضيافة، والنقل، والتسويق، والشراكات بين القطاعين العام والخاص. كما أن دمج البعد الثقافي في كل مراحل رحلة الزائر – من الحجز الرقمي وحتى مغادرة الوجهة – أصبح عاملاً حاسماً في تعزيز القدرة التنافسية.
في السياق الأردني، تبدو الفرصة مهيأة للاستفادة من هذا الاتجاه العالمي، خاصة وأن الأردن يمتلك مقومات هوية قوية تجمع بين العمق التاريخي، والتنوع الطبيعي، والبعد الإنساني والثقافي. غير أن ترجمة هذه المقومات إلى نمو مستدام تتطلب الانتقال من العمل الموسمي المتقطع إلى تخطيط منهجي مبني على “اجندة وطنية للفعاليات” يتم تصميمها وفق المواسم السياحية، وتوزيع الطلب، والخصائص المناخية لكل منطقة، على ان لا تكون مجرد قائمة أنشطة، بل أداة استراتيجية لإدارة التدفقات السياحية، وتحفيز الطلب في الفترات التي ننراجع فيها الحركة السياحية الى الاردن، وربط الفعاليات بالمنتج المحلي والثقافة المجتمعية.
إن بناء جدول فعاليات ناجح يتطلب شراكة حقيقية مع القطاع الخاص، سواء في مجال الضيافة أو الطيران أو الترفيه أو الاستثمار الثقافي. فالسوق اليوم لا يستجيب للحملات التقليدية بقدر ما يتفاعل مع تجارب متكاملة تُصاغ بعقلية تجارية واضحة، وتُنفذ وفق معايير عالمية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى وجود مسوّق تنفيذي محترف، يمتلك القدرة على صياغة هوية الوجهة، وإدارة التسويق الرقمي المتقدم، وبناء الشراكات مع شركات الطيران والمنصات العالمية، وربط الرسالة التسويقية بأهداف التنويع الاقتصادي وزيادة مدة الإقامة ومتوسط الإنفاق.
المسوّق التنفيذي المطلوب في المرحلة القادمة ليس مدير حملات إعلانية، بل قائد استراتيجي يفهم السياحة المستدامة، ويستوعب ديناميكيات السوق العالمي، ويجيد توظيف البيانات والتحليلات، ويملك خبرة في إطلاق منتجات أو وجهات جديدة. كما يجب أن يكون قادراً على تحويل التراث الثقافي إلى سردية معاصرة جاذبة للأسواق الدولية، وأن يدير منظومة معقدة من الشركاء الحكوميين والقطاع الخاص والمستثمرين الدوليين ضمن رؤية موحدة وهوية متماسكة، وهذا هو المطلوب من هيئة تنشيط السياحة.