facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مؤسسات الاحباط


محمد نور الدباس
26-02-2026 03:34 PM

مصير أي مؤسسةٍ تستبدل ثقافة التحفيز بسياسة الإحباط، ليس مجرد تراجعٍ في الأداء، بل انحدارٌ تدريجي في الروح والهُوية والسمعة، فالمؤسسات لا تنهار فجأة، بل تتآكل من الداخل حين يتحول العمل إلى بيئة طاردة، ويصبح الموظف في موقع الدفاع لا الإبداع.

فعلى مستوى الأفراد، فإن الموظف عندما يشعر أن جهده لا يُقدَّر، وأن الخطأ يُضخَّم بينما الإنجاز يُهمَل، تظهر ثلاث نتائج خطيرة؛ النتيجة الأولى تتمثل بالانسحاب الصامت وأداء الحد الأدنى فقط، بلا مبادرة أو انتماء، والنتيجة الثانية تتمثل بالعدوى السلوكية السلبية، وانتشار التذمر، وتراجع روح الفريق، والنتيجة الثالثة تتمثل بهجرة الكفاءات، من خلال مغادرة أصحاب الخبرة، وبقاء من لا يملكون خيارًا آخر، فالمؤسسة هنا لا تخسر موظفًا فحسب، بل تخسر ذاكرةً مؤسسية وخبرةً تراكمية يصعب تعويضها.

وعلى مستوى الإنتاجية، فالإحباط بيئة مثالية لإخراج أسوأ ما في البشر من تضخيم الأخطاء، وتبادل الاتهامات، وغياب المبادرة، ومقاومة التغيير، ففي علم الإدارة، تؤكد تجارب مثل تجربة مصانع شركة تويوتا أن الإنتاجية المستدامة لا تقوم على الرقابة القاسية، بل على تمكين العاملين ومنحهم الثقة والمسؤولية، أما المؤسسات التي تحكم بالخوف، فإنها قد تحقق أرقامًا مؤقتة، لكنها تخسر الاستدامة.

أما على مستوى السمعة المؤسسية؛ ففي عصر الشفافية الرقمية، تنتقل صورة المؤسسة بسرعة، الشركات التي تتصدر تصنيفات بيئات العمل الجاذبة لم تصل إلى ذلك عبر الشعارات، بل عبر بناء ثقافة احترام وتقدير، وفي المقابل فالمؤسسة المحبِطة تتحول إلى بيئة طاردة للكفاءات، ويصبح اسمها مقرونًا بالتوتر الوظيفي لا بالإنجاز.

وبما يتعلق بالنتيجة الحتمية؛ فالمؤسسة التي تخرج أسوأ ما في موظفيها، إنما تكشف عن خللٍ في قيادتها، لأن الإدارة ليست اختبارًا للقوة، بل فنًّا في استخراج أفضل الطاقات، والقائد الحقيقي لا يصنع موظفين خائفين، بل يصنع فريقًا واثقًا، والمفارقة هنا أن المؤسسة التي تعتمد الإحباط وسيلةً للضبط، تظن أنها تحافظ على السيطرة، بينما هي في الحقيقة تفقد السيطرة على أهم أصولها (الإنسان).

هذا كله في مقابل الأهمية الكبيرة لسياسة التحفيز في أي مؤسسة؛ حيث أن سياسة التحفيز ليست ترفًا إداريًا، بل هي ركيزة استراتيجية تمسّ بقاء المؤسسة ونموها، فالمؤسسة التي تفهم كيف تحفّز موظفيها، إنما تستثمر في أهم أصولها وهو العنصر البشري، حيث نتائج هذه السياسة التحفيزية في رفع الإنتاجية وجودة الأداء، فالموظف المُحفَّز يعمل بدافع داخلي، لا بدافع الخوف أو الرقابة، والتحفيز يعزز المبادرة والابتكار، ويقلل الأخطاء الناتجة عن اللامبالاة، ويرفع مستوى الالتزام بالمواعيد والجودة، وتجارب الشركات العالمية أظهرت أن توفير بيئة تقدّر الإبداع وتكافئ المبادرة يؤدي إلى إنتاجية أعلى واستقطاب أفضل الكفاءات.

ومن نتائج السياسة التحفيزية أيضاً تعزيز الولاء المؤسسي وتقليل الدوران الوظيفي، فالمؤسسات التي تعتمد سياسات تحفيز واضحة (مادية ومعنوية) تقلّ فيها نسبة الاستقالات، لأن الموظف يشعر بقيمته وانتمائه، وهذا يوفّر على المؤسسة تكاليف التوظيف والتدريب، ويوفر خسارة الخبرات المتراكمة.

ومن نتائج السياسة التحفيزية أيضاً بناء ثقافة مؤسسية إيجابية، فالتحفيز لا يعني فقط مكافآت مالية، بل يشمل الاعتراف بالإنجاز، ويشمل العدالة في التقييم، ويشمل فرص التطوير والترقية، فالشركات التي تصنَّف سنويًا ضمن أفضل بيئات العمل لم تصل إلى ذلك إلا عبر ترسيخ ثقافة تحفيزية قائمة على الاحترام والثقة.

ومن النتائج أيضاً دعم الاستدامة والتنافسية، ففي الأسواق التنافسية، الفرق الحقيقي بين المؤسسات ليس في الأنظمة أو المباني، بل في مستوى حماس فرق العمل، فالمؤسسة المُحفِّزة التي تتكيّف أسرع مع التغيّرات، والتي تستجيب بمرونة للأزمات، والتي تحافظ على صورتها الإيجابية في سوق العمل.

ومن النتائج أيضاً أن التحفيز أداة قيادة وليست حافز مؤقت، فالتحفيز الفعّال ليس قرارًا موسميًا عند تحقيق الأرباح، بل سياسة مستدامة ترتبط برؤية المؤسسة وأهدافها، لأن القائد الناجح يدرك أن الموظف الذي يشعر بالتقدير، يعطي أكثر مما يُطلب منه، والموظف الذي يُدار بالخوف، يعطي أقل مما يستطيع.

خلاصة القول إن مصير أية مؤسسة تبتعد عن سياسة التحفيز وصولها لأحد احتمالين؛ الاحتمال الأول إما أن تعيد النظر في ثقافتها الإدارية وتنتقل من إدارة الخوف إلى إدارة الثقة، والاحتمال الثاني أن تستمر في استنزاف طاقاتها حتى تصبح كيانًا هشًّا، يعيش على بقايا ما كان يملكه من كفاءات، فالمؤسسات لا تُقاس بما تملكه من أنظمة ولوائح، بل بما تزرعه في نفوس العاملين فيها، كون سياسة التحفيز هي صمّام الأمان لأي مؤسسة تسعى إلى الاستقرار والنمو، فهي تحوّل العمل من واجبٍ وظيفي إلى التزامٍ معنوي، ومن علاقة تعاقدية إلى شراكة حقيقية في النجاح.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :