facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ثلاثية الحكي والكتابة والسرد


أ.د سلطان المعاني
27-02-2026 11:38 AM

يخرج السؤال من صميم التجربة الإنسانية، من تلك اللحظة التي يقف فيها المرء أمام ما جرى، وما ترسّب في روحه من أثر، وما يضجّ به العالم من وقائع وصور ووجوه، ثم يبحث عن صيغة تحتمل هذا كله. عند تلك العتبة يولد الحكي، لأن الحدث يطلب صوتًا، ولأن الذكرى تستدعي لسانًا يحملها إلى سامع آخر. ثم تتقدم الكتابة، فتمنح ذلك الصوت إقامة أطول، وتثبّت ما كان عابرًا في سطور تحفظه من التبعثر. ثم يأتي السرد، فيجمع المتفرق، ويربط الأزمنة، ويقيم بين الأشخاص والأمكنة والوقائع شبكةً تكشف ما كان مستترًا في أعماق التجربة.

يبدأ الحكي من حرارة اللحظة. ينهض من دهشة، أو فقد، أو فرح، أو خوف، أو نجاة، ثم يأخذ طريقه من فم إلى أذن، ومن مجلس إلى مجلس، ومن جيل إلى جيل. وفي الحكي شيء من القرب الحميم، لأن الحاكي يسلّم جزءًا من روحه إلى من يصغي، ويقول له في صورة ضمنية: هذه آثار ما مرّ بي، وهذه صورتي ساعة اهتز العالم في داخلي. ومع تكرار الحكايات، واتساع الخبرة، وتباعد الأزمنة، تنشأ حاجة أشد رسوخًا، حاجة تنقل الكلام من مجاله الشفهي إلى حيّز أكثر ثباتًا. هنا تفتح الكتابة بابها، فتستقبل الحكاية، وتحفظ نبرتها، وتمنحها عمرًا أوسع من عمر المجلس والذاكرة القريبة.

ثم يرتفع السرد درجة أخرى، لأن الكتابة حين تدخل في نسيج السرد تغدو أعمق من مجرد تثبيت للخبر. ترتب الوقائع، وتمنح كل شخصية موضعها، وتختار زاوية النظر، وتضبط الإيقاع، وتعرف متى تقترب ومتى تترك مسافة، ومتى تصمت كي يتكلم الأثر وحده. عند هذا الحد يتحول ما جرى من مادة خام إلى بناء يكشف الروابط الخفية بين التجارب، ويضيء ما يتوارى خلف ظاهر الأحداث. ولهذا يجيء الجواب عن سؤال لماذا السرد من داخل هذه الحركة نفسها، لأن الحياة أوسع من خبر موجز، وأكثر تشعبًا من تسجيل مباشر، وأغنى من أن تُختزل في وصف سريع.

يكشف السرد للإنسان صورته وهو يتشكل داخل الزمن. يقرأ المرء طفولته عبر مشاهد، ويستعيد شبابه عبر منعطفات، ويستحضر من أحبهم أو فقدهم كما لو أنهم يعودون من صفحات بعيدة. حتى الأمكنة تستقر في الوجدان سرديًا، فالقرية، والمدينة، والبيت القديم، والطريق، والبئر، والمقهى، والنافذة المطلة على الحقل، كلها تنبعث حين تدخل في نسيج الحكاية. ومن هنا تتجاوز قيمة السرد حدّ المتعة الأدبية إلى مجال أرحب، مجال يتصل بتكوين الذاكرة الحية، وصوغ الهوية، وتثبيت الصلة بين الإنسان ومكانه وزمنه وجماعته.

ويمنح السرد التجربة الإنسانية ترتيبًا يخفف اضطرابها. كثير من الوقائع تعيش في النفس مبعثرة ومتداخلة ومتراكبة، ثم تستبين خطوطها ساعة تدخل في بنية حكائية. هناك يرى المرء ما فاته وهو داخل العاصفة، ويدرك العلاقة بين بداية بعيدة ونتيجة متأخرة، وبين جرح صغير وتحول كبير. وبهذا المعنى يصير السرد أداة للفهم، وأداة للتأمل، وأداة لمراجعة ما جرى في الداخل وفي الخارج معًا. فهو يمنح صاحبه مسافة مضيئة، يرى منها تجربته بعين أصفى، ويمنح قارئه خبرة مركبة تتجاوز حدود حياته الفردية.

وتتجلى أهمية السرد كذلك في علاقته بالذاكرة الجماعية. فالأمم تبني حضورها عبر ما ترويه عن نشأتها، وعن محنها، وعن انتصاراتها، وعن دروبها الطويلة. والمدن تحتفظ بوجهها من خلال ما يُكتب عنها، والعائلات تتماسك عبر ما تتناقله من سير وأسماء ووقائع، والمجتمعات تصنع وعيها عبر السرديات التي تشرح أصلها، وتحدد قيمها، وتعين موقعها بين الجماعات. ومن يملك السرد يملك قدرة واسعة على توجيه الوعي العام، لأنه يختار ما يُروى، ويعين طريقة روايته، ويمنح الحدث صورته في المخيلة الجمعية. لهذا يرتبط السرد بالثقافة، وبالتاريخ، وبالهوية، وبالصراع كذلك، لأن المعركة حول الحكاية كثيرًا ما تكون معركة حول المكان، وحول الشرعية، وحول الذاكرة.

ويؤدي السرد وظيفة إنسانية رفيعة حين يفتح الصفحة للأصوات التي بقيت بعيدًا عن المتون الرسمية. كم من إنسان عبر العالم وترك أثره في الهامش، في يوميات منسية، أو شهادة مقتضبة، أو رسالة شخصية، أو حكاية تناقلتها أسرة بين مساء وآخر. يأتي السرد فيلتقط هذه الأصوات، ويعيد إدخالها في نسيج الوعي العام، فيسترد للمهمشين حضورهم، وللأماكن المطوية ضوءها، وللآلام القديمة حقها في التعبير. وهنا يغدو السرد فعل إنصاف، وإحياء، ومقاومة للمحو، لأن الصفحة تصون ما كاد يتبدد، وتمنح المغمورين موضعًا يليق بتجربتهم.

ويمد السرد الجسر بين حرارة الحكي ورسوخ الكتابة. ففي الحكي نبض حي، وفي الكتابة تثبيت واستبقاء، وفي السرد يلتقي النبض بالبناء. تظل الحكاية محتفظة بحرارتها الإنسانية، وتكتسب في الوقت نفسه عمق التركيب، ودقة الترتيب، وسعة الدلالة. وهكذا يقدر النص السردي على حمل الفردي والجماعي معًا، واليومي والعابر وما يتجاوزه، والمرئي وما يستتر في تجاويف النفس. ومن هنا جاءت مكانته في الأدب، والتاريخ، والفكر، وفي كل حقل يسعى إلى فهم الإنسان داخل تعقيداته الكثيرة.

ويفضي التأمل في هذه الثلاثية إلى خلاصة واضحة، فنحن نحكي لأن التجربة تضغط على الصوت، ونكتب لأن الصوت يطلب إقامة أطول، ونسرد لأن الخبرة البشرية تحتاج إلى نسيج يضم شتاتها ويكشف انتظامها الخفي. في الحكي يولد الأثر، وفي الكتابة يثبت، وفي السرد يكتمل. وعند هذه العتبة يصير سؤال لماذا السرد سؤالًا عن حاجة الإنسان إلى أن يفهم نفسه، وأن يتذكر، وأن يشارك خبرته، وأن يترك وراءه أثرًا حيًا يشهد أنه مرّ من هنا بكل أحواله، فرأى، وتألم، أو فرح، ولعله فكر، أو وهب شيئًا من رحلته للآخرين.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :