أهداف حرب ايران والموقف العربي
السفير محمد الكايد
02-03-2026 01:19 PM
حسنا فعلت الدول العربية بعدم الرد لغاية الان على الاعتداءات الايرانية السافرة على اراضيها ؛ مجنبة نفسها الانخراط في حرب ليست حربها ونزاع تم فرضه على المنطقة دون اهداف واضحة وصعبة التحقيق على ارض الواقع ، والافتقار الواضح لاستراتيجية الخروج من النزاع. كما جاءت الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران على حين غرة في الوقت الذي كانت تجري فيه المفاوضات بين الطرفين لحل النزاع ودون تفويض اممي وبدون تحالف دولي واضح او تشاور مع الحلفاء بل تنسيق سري وثيق بين الولايات المتحدة واسرائيل لوحدهما. وجاءت اهداف الحرب التي اعلن عنها الرئيس الامريكي دونالد ترامب لتضفي مزيدا من الجدل حول شرعيتها وامكانية تحقيقها والمدة الزمنية المتوقعة لتحقيق هذه الاهداف الصعبة المنال.
ان الهدف الاول المتمثل بتغيير النظام يتطلب اكثر من مجرد غارات جوية على اهداف منتقاه في بلاد شاسعة كايران. ولعل المثل العراقي خير دليل على ذلك ، فقد قصفت الولايات المتحدة العراق لعدة سنوات وحطمت معظم البنية التحتية العسكرية والمدنية فيه دون ان يتزحزح نظام الرئيس السابق صدام حسين. وتطلب الامر حينها شن حرب شاملة بقوات برية ومدرعات لقيت مقاومة عنيفة خلال وجودها وانتهى بها الامر الى الانسحاب بموجب اتفاقيات امنية مع الحكومة العراقية حينها. وان كان قد نجح الامر في العراق فلا يعني امكانية تكراره في ايران وهي البلد ذات ال90 مليون نسمة والمساحة الشاسعة ونظام حكم وجيش قوي ودستور واضح لتسلسل السلطة. فقد جاء اعتقال الرئيس صدام ومن ثم اعدامه ليعلن انتهاء حقبة سياسية الى الابد في حين ان عملية اغتيال المرشد على خامنئي اعقبها وفي اليوم التالي انتخاب هيئة تتولى ادارة البلاد بصورة مؤقتة حسب ما نص عليه الدستور الايراني.
وبالرغم من ان هذا الهدف الامريكي الاسرائيلي الداعي لتغيير النظام قد ترك للشعب الايراني عملية الاختيار في محاولة لاستمالة الشعب الايراني بحجة تقرير المصير وعدم التدخل في شؤونة الداخلية ، الا ان الاعداد الغفيرة التي خرجت للاحتجاج على عملية الاغتيال قد فاجئت الجانب الامريكي والاسرائيلي واظهرت التفاف الايرانيين حول نظامهم بغض النظر عن من يجلس على رأس النظام. وبينت ردود الفعل الرسمية والشعبية المبكرة تماسكا جزئيا للنظام مما اربك بعض التوقعات الخارجية. وقد حاولت الولايات المتحدة اظهار فرحة الايرانيين بمقتل المرشد وتحطيمهم للرموز الوطنية على غرار ما حصل في العراق عند تحطيم تمثال الرئيس صدام حسين ، ولكن تماسك الغالبية في ايران خلف قيادتهم اربكت الحسابات الامريكية الاسرائيلية ولم تجدي نفعا تحريضات الرئيس ترامب وبنجامين نتنياهو للشعب الايراني على اغتنام الفرصة المزعومة.
يجب على الدول العربية في هذا الموضوع ان تتوخى الحذر من تداعيات تغيير النظام في ايران. فمما لا شك فيه ان الجغرافيا السياسية ستبقى حاضرة دائما في علاقات االدول العربية مع ايران وبالاخص الدول الخليجية. ومن صحيح القول ان نظام الملالي الحالي لا يحمل الكثير من الود لجيرانه وظل يعمل تحت مبدأ تصدير الثورة وحماية الاقليات الشيعية والتدخل في شؤون الدول العربية واثارة القلاقل فيها وخلق الميليشيات المسلحة ، ولكن لا يمكن التسليم بان اي نظام اخر سيأتي هناك سيغير النظرة الايرانية التاريخية والدينية والاجتماعية نحو جيرانه العرب . وسيكون من الخطأ التسليم بان اي نظام سياتي بعد نظام الملالي سيحمل المشاعر الطيبة لجيرانه. فقد كان نظام الشاه السابق (حارس الخليج) يمارس الضغوط على الدول العربية بعلاقاته مع اسرائيل واستغل اوضاع العراق لفرض اتفاقية تقاسم شط العرب حينذك فيما نظام الملالي الحالي اثار النعرات في العالم العربي واستغل القضية الفلسطينية لتحقيق مصالحة القومية وان اي نظام قادم في ايران لن يكون باحسن حال من سابقيه.
اما الهدف الاخر للحرب وهو نزع قدرة ايران على امتلاك الاسلحة النووية فهو يشبه كذبة اسلحة الدمار الشامل التي تحججت بها الادارة الامريكية حينها لغزو العراق. ومن المضحك المبكي ان الرئيس ترامب نفسه قد سخر من ادارة الرئيس بوش في قضية اسلحة الدمار الشامل ولكنه اوقع نفسه في ذات المخاض. فقد اشارت التسريبات التي صدرت عن المباحثات الايرانية الامريكية الاخيرة الى استعداد ايران للتخلي عن قدراتها النووية العسكرية والسماح لهيئة الطاقة الذرية بالتفتيش دون قيود ، ولكن الادارة الامريكية اتهمتها بالتسويف والمماطلة بالرغم من قيام وزير الخارجية العماني بالسفر الى واشنطن للقاء نائب الرئيس الامريكي لاطلاعه على التقدم الحاصل في المباحثات وذلك حسب تصريحات الوزير العماني نفسه الا انه يبدو ان قرار الحرب قد اتخذ مسبقا بغض النظر عن نتائج المباحثات وهو ما يضفي مزيدا من الشكوك والريبة حول الدوافع الامريكية لشن الحرب وهي الشكوك التي يجب ان لا تنجر خلفها الدول العربية دون دليل واضح ومثبت.
اما المطالب الاخرى والمتمثلة في نزع القدرات الصاروخية الايرانية والتخلي عن حلفائها في المنطقة فهي مطالبات اسرائيلية واضحة. فلا الصواريخ الايرانية قادرة على الوصول الى الولايات المتحدة ولا حلفاء ايران قادرين على مواجهة الولايات المتحدة. فها هو حزب الله قد استكان سياسيا وعسكريا وفقد حضورة اقليميا خصوصا بعد اغتيال زعيمه حسن نصرالله وما رشقة الصواريخ التي اطلقها بالامس ردا على اغتيال المرشد الا ذرا للرماد في العيون لن تتطور الى مجابهة شاملة. كذلك فقدت ايران اهم حليف لها في المنطقة بعد فرار الرئيس السوري السابق بشار الاسد ومجيء نظام جديد يناصب العداء لطهران . وها هم الحوثيون يقبعون في الجبال ولم يعلنوا عن اغلاق مضيق باب المندب لغاية الان بينما فعلوها ابان الحرب الاسرئيلية على غزة. وما الحشد الشعبي في العراق الا وقد انطفئت شعلته مع بقية الميليشيات والجماعات السياسية الموالية لايران لدرجة ان بعض التصريحات الصحفية الامريكية قد منعت مرشحهم من رئاسة الوزراء.
ان النظرة المتفحصة لاهداف الحرب الحرب الدائرة حاليا يظهر بوضوح ان هناك نفسا اسرائيليا عميقا في كل هدف من هذه الاهداف. ويبدو بان رئيس الوزراء الاسرئيلي ومن خلفه اللوبي الاقتصادي والاعلامي قد استطاعوا اقناع الرئيس ترامب بشن الحرب على ايران بالرغم من عدم وجود عمل استفزازي من قبل ايران ، وبالرغم من ان الرئيس ترامب نفسه كان قد اعلن بعد الضربة الاولي قبل عدة اشهر بان قدرات ايران النووية قد تقلصت بشكل كبير ، الا ان اسرائيل وسعت اهداف الحرب هذه المرة لتشمل كل القضايا التي تحقق مصالحها القومية والتوراتية. ومن هنا ، ياتي الخطر نحو اي تأييد الاهداف الواردة في العملية العسكرية الامريكية دون ملاحظة الدهاء الاسرائيلي فيها.
كذلك يلاحظ التاثير الاسرائيلي والعقيدة القتالية الاسرائيلية على الاساليب المتبعة في هذه الحرب وطرق شن العمليات العسكرية فيها. فهي المرة الاولى حسب علمي التي تقوم فيها الولايات المتحدة باغتيال من تفاوضهم ، وهو مبدأ اسرائيلي راسخ تجلى مؤخرا عندما حاولت اسرائيل اغتيال قادة حماس في الدوحة بينما هم يستعدون للتفاوض.
كذلك تخلى الرئيس الامريكي عن وعوده الانتخابية بعدم شن الحروب الخارجية واحلال السلام العالمي واصبح اكثر ميلا لاستعمال القوة في سياسته الخارجية كما هو الحال برئيس الوزراء الاسرائيلي الذي لا يخفي نواياه واعماله العدوانية ولا يسعى للسلام مع اي من جيرانه. كما يبدو التأثير الاسرائيلي واضحا في مبدأ فرض السلام من خلال القوة الذي كان يردده نتنياهو وهو ما اصبح الرئيس الامريكي يؤمن به ايضا.
من ناحية اخرى، لا شك ان هناك تباينا ولو بسيطا بين الطرفين حول مدة زمن الحرب. فمن الواضح ان الولايات المتحدة ترغب في حرب قصيرة تحقق بعض اهدافها ولو جزئيا يتمكن بعدها الرئيس ترامب من اعلان النصر وانهاء الحرب حيث صرح الرئيس الامريكي بان الحرب قد تستمر اربعة اسابيع او اقل ةاقر بامكانية سقوط مزيدا من الضحايا بينما ترغب اسرائيل باطالة امد الحرب حتى تحقيق معظم الاهداف والتي لا تستطيع تحقيقها بنفسها من دون وجود الولايات المتحدة.
بالرغم من ان ايران ، ومنذ مجيء حكم الملالي ، قد ساهمت قي عدم استقرار المنطقة عبر برنامجها النووي ، ودعم الميليشيات والهجمات على مصالح دول المنطقة ، الا ان توقيت ودوافع واهداف واسلوب الحرب يثيروا تساؤلات حول الدوافع الحقيقية للحرب الحالية التي بدأتها الولايات المتحدة واسرائيل مما يستوجب من الدول العربية التفكير مليا بالمكاسب التي ستخرج بها اسرائيل من هذه الحرب اذا ما طالت او قصرت او اذا ما تم تغيير النظام ام لم يتم. وفي المحصلة فان الموقف العربي يجب ان لا ينحاز الا الى مصالحه الوجودية ، وان التعقل العربي لا يعد حيادا بل معرفة كيف سيعاد تشكيل المنطقة في ظل جغرافيا ثابتة تضمن مصالح الشعوب العربية.