facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إصلاح الضمان الاجتماعي وفق الفكر الديمقراطي الاجتماعي


المحامي الدكتور هيثم عريفج
04-03-2026 02:10 PM

يشكل الضمان الاجتماعي في أي دولة حديثة إحدى أهم أدوات العدالة الاجتماعية، وأحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها منظومة الحماية الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي. وفي الأردن، لم يكن إنشاء مؤسسة الضمان الاجتماعي مجرد خطوة إدارية لتنظيم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، بل كان تعبيراً عن رؤية وطنية تسعى إلى حماية كرامة الإنسان الأردني وتأمين مستقبله في مواجهة مخاطر الحياة المختلفة من مرض أو بطالة أو شيخوخة.

إن جوهر فلسفة الضمان الاجتماعي يقوم على مبدأ بسيط وعميق في آن واحد، وهو أن المجتمع المتماسك هو المجتمع الذي يتضامن فيه أفراده، بحيث لا يترك العامل وحيداً في مواجهة تقلبات الحياة الاقتصادية أو الصحية. ومن هنا، فإن الضمان الاجتماعي لا يمثل مجرد صندوق تقاعد أو مؤسسة مالية، بل يمثل عقداً اجتماعياً بين الدولة والمجتمع يهدف إلى تحقيق الأمن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي للأفراد والأسر.

وفي إطار الفكر الديمقراطي الاجتماعي، الذي يقوم على مبادئ العدالة الاجتماعية والتضامن وتكافؤ الفرص، فإن أنظمة الضمان الاجتماعي تعد من أهم الأدوات التي تضمن توزيعاً أكثر عدلاً للفرص والمخاطر داخل المجتمع. فالمجتمع الذي يوفر الحماية للعامل في سنوات ضعفه أو مرضه أو بطالته، هو مجتمع يحمي كرامة الإنسان ويعزز الاستقرار الاجتماعي ويخلق بيئة اقتصادية أكثر توازناً واستدامة.

ومن هذا المنطلق، فإن مؤسسة الضمان الاجتماعي في الأردن تمثل مؤسسة وطنية استراتيجية يجب الحفاظ عليها وتعزيز دورها وتطويرها، ليس فقط باعتبارها مؤسسة تقدم منافع اجتماعية، بل باعتبارها أيضاً أحد ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الدولة. ولذلك فإن أي نقاش حول مستقبل الضمان الاجتماعي يجب أن ينطلق من هدفين متلازمين: حماية حقوق المواطنين المشتركين والمتقاعدين من جهة، والحفاظ على استدامة المؤسسة وقدرتها على الاستمرار في أداء دورها الوطني من جهة أخرى.

إن الإصلاح الحقيقي لأي نظام ضمان اجتماعي لا يمكن أن يقوم على تحميل المواطن أعباء إضافية أو المساس بحقوقه المكتسبة قانوناً، بل يجب أن يستند إلى رؤية متوازنة تقوم على توزيع عادل للمسؤوليات بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع. فالعدالة الاجتماعية تقتضي أن تكون سياسات الإصلاح منصفة، وأن تراعي حماية الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، وأن تحافظ على الحقوق التي اكتسبها المواطنون عبر سنوات طويلة من العمل والاشتراك.

ومن بين التحديات الرئيسية التي تواجه نظام الضمان الاجتماعي في الأردن مسألة ضيق قاعدة المشتركين مقارنة بحجم القوى العاملة. فالمشكلة لا تكمن فقط في مستويات المنافع أو في سن التقاعد، بل تكمن في حقيقة أن نسبة كبيرة من العاملين في الاقتصاد الوطني ما تزال خارج مظلة الضمان الاجتماعي. ولذلك فإن الحل الهيكلي الحقيقي لضمان استدامة النظام يتمثل في توسيع قاعدة الاشتراك وإدماج أكبر عدد ممكن من العاملين ضمن منظومة الحماية الاجتماعية.

ويبرز في هذا السياق تحدٍ كبير يتمثل في قطاع العمالة غير المنظمة أو ما يعرف بالاقتصاد غير الرسمي، وهو قطاع واسع يضم العاملين دون عقود رسمية، والعاملين لحسابهم الخاص، والعاملين في المنشآت الصغيرة غير المسجلة، إضافة إلى العمال الموسميين والمؤقتين. ويؤدي بقاء هذه الفئات خارج منظومة الضمان الاجتماعي إلى حرمان شريحة واسعة من العمال من الحماية الاجتماعية، كما يؤدي في الوقت ذاته إلى تقليص قاعدة الاشتراكات التي يقوم عليها النظام.

إن إدماج هذا القطاع ضمن مظلة الضمان الاجتماعي يشكل خطوة أساسية نحو تحقيق الشمولية في الحماية الاجتماعية وتعزيز الاستدامة المالية للمؤسسة. فكلما توسعت قاعدة المشتركين، ازدادت قدرة النظام على الاستمرار وتقديم المنافع للأجيال الحالية والمستقبلية.

وفي السياق ذاته، يمكن التفكير في تعزيز التكامل بين صناديق تقاعد النقابات المهنية ومؤسسة الضمان الاجتماعي، بما يحقق توسيع قاعدة المشتركين وتوحيد منظومة الحماية الاجتماعية على المستوى الوطني. فوجود نظام وطني شامل للحماية الاجتماعية يضمن استقراراً أكبر للمجتمع ويعزز الثقة بين المواطنين والمؤسسات العامة.

كما أن تعزيز الثقة المجتمعية بالضمان الاجتماعي يتطلب تطوير بعض المنافع الاجتماعية التي تجعل الانتساب إلى الضمان أكثر جاذبية للمواطن. ومن بين هذه المنافع تطوير نظام تأمين ضد البطالة يوفر دخلاً مؤقتاً للعامل في حال فقدان عمله، إضافة إلى إمكانية إدخال نظام تأمين صحي للمشتركين يتم تمويله من خلال مساهمة بسيطة من العامل وصاحب العمل. إن مثل هذه الخطوات من شأنها أن تعزز الشعور بأهمية الضمان الاجتماعي وتزيد من الإقبال على الاشتراك فيه.

ولا يمكن الحديث عن تطوير نظام الضمان الاجتماعي دون التطرق إلى أهمية تعزيز الرقابة وتفعيل أجهزة التفتيش لضمان التزام المؤسسات بتسجيل جميع العاملين وإشراكهم في الضمان وفق رواتبهم الحقيقية. فوجود حالات عدم تسجيل بعض العاملين أو تسجيلهم برواتب أقل من رواتبهم الفعلية يضر بحقوق العمال ويضعف في الوقت ذاته استدامة النظام.

ومن المهم أيضاً تبني سياسات تشجع الشركات الملتزمة بحقوق العاملين وتشغيل الأردنيين، من خلال منحها امتيازات اقتصادية مثل القروض الميسرة أو الإعفاءات الضريبية أو الأولوية في العطاءات الحكومية. فالشركات التي تلتزم بتوفير وظائف مستقرة وإشراك العاملين في الضمان الاجتماعي تسهم بشكل مباشر في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدولة.

إن الضمان الاجتماعي ليس مجرد قضية مالية أو تقنية، بل هو قضية وطنية بامتياز تتعلق بمستقبل المجتمع الأردني وبحق المواطن في حياة كريمة وآمنة. ولذلك فإن الحفاظ على مؤسسة الضمان الاجتماعي وتعزيز دورها يجب أن يكون أولوية وطنية تتشارك فيها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع.

فالمجتمع الذي يحمي عماله ويحفظ كرامتهم ويوفر لهم الأمان في مستقبلهم هو مجتمع أكثر استقراراً وعدالة وقدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا، فإن تطوير نظام الضمان الاجتماعي في الأردن يجب أن ينطلق دائماً من مبدأ أساسي واضح: حماية المواطن ومستقبله، والحفاظ على هذه المؤسسة الوطنية باعتبارها صمام الأمان الاجتماعي للأردنيين اليوم وللأجيال القادمة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :