الرؤية الملكية والدبلوماسية الأردنية في إدارة التوازن
الدكتور علي فواز العدوان
04-03-2026 10:52 PM
في لحظة إقليمية تتكاثر فيها المشاريع المتعارضة وتتقاطع فوق جغرافيا حساسة، يبرز الأردن بوصفه دولة تدير التوازن لا الانفعال، وتحسب الخطوة قبل أن تُخطئها. فبين مشروع إيراني يقوم على توسيع دوائر النفوذ عبر أدوات غير تقليدية، ومشروع صهيوني يسعى إلى فرض وقائع أحادية على الأرض الفلسطينية، تقف عمّان في منتصف العاصفة، مستندة إلى رؤية ملكية واضحة المعالم يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين.
الرؤية الملكية لم تكن يوماً ردّ فعل على حدث طارئ، بل إطاراً استراتيجياً يقوم على ثلاث ركائز: حماية الأمن الوطني، تثبيت الاستقرار الداخلي، والانخراط الدبلوماسي الفاعل دون الارتهان لأي محور. فالأردن يدرك أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة ليس الصدام المباشر، بل الانزلاق التدريجي نحو أن تصبح ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
في التعاطي مع المشروع الإيراني، تتعامل عمّان بمنطق الدولة التي ترفض الميليشيات العابرة للحدود، وترفض تحويل الجغرافيا الأردنية إلى ممر نفوذ أو نقطة ارتكاز لأي تمدد مسلح. الرسالة الأردنية هنا واضحة: أمن الحدود سيادي، وأي اختلال فيه يُواجَه بحزم. لكن في الوقت ذاته، لا تغلق الدبلوماسية الأردنية أبواب الحوار، لأن إدارة المخاطر تقتضي إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، دون أن يتحول ذلك إلى غطاء سياسي لأي سلوك مهدد للاستقرار.
أما في مواجهة السياسات الصهيونية، فإن الموقف الأردني أكثر حساسية وتعقيداً. فالأردن يرتبط باتفاقية سلام، لكنه في الوقت نفسه يقف في مقدمة المدافعين عن حل الدولتين، ويرفض أي مساس بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. وهنا تمارس الدبلوماسية الأردنية ضغطاً هادئاً ومتواصلاً في العواصم المؤثرة، لتذكير العالم بأن تجاهل الحقوق الفلسطينية ليس خياراً قابلاً للاستدامة، وأن أي محاولة لفرض أمر واقع ستنعكس مباشرة على استقرار المنطقة بأسرها.
السؤال الذي يفرض نفسه: كيف توفّق عمّان بين شبكة علاقات دولية واسعة، ومواقف مبدئية ثابتة؟.
الإجابة تكمن في فلسفة “التوازن الفعّال”. فالأردن يحافظ على شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، ويعزز علاقاته الأوروبية، ويصون عمقه العربي والخليجي، وفي الوقت ذاته ينفتح على قوى دولية صاعدة دون أن ينخرط في محاور متصارعة. هذا التنويع في التحالفات يمنح القرار الأردني مساحة حركة أوسع، ويمنع احتكاره أو الضغط عليه من جهة واحدة.
الدبلوماسية الأردنية لا تبحث عن صخب إعلامي، بل عن حماية واقعية للمصالح الوطنية. وهي تدرك أن الاستقرار ليس شعاراً، بل منظومة متكاملة تبدأ من الداخل القوي وتنتهي عند شبكة علاقات متوازنة في الخارج. ومن هنا، فإن إدارة هذا الكم من العلاقات ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية لدولة تقع في قلب أكثر أقاليم العالم اضطراباً.
في المحصلة، لا يخوض الأردن معركة شعارات، بل معركة بقاء واستقرار. والرؤية الملكية تضع معادلة دقيقة: لا عداء مجاني، ولا تنازل عن الثوابت، ولا قبول بأن يتحول الأردن إلى ساحة صراع بالوكالة. إنها سياسة السير بين خطوط النار بثبات، حفاظاً على دولة اختارت أن تكون عامل استقرار في منطقة تعيش على إيقاع الأزمات.