من المعروف أن قاعدة إنجرليك الجوية تُعد من أهم القواعد التابعة لحلف حلف شمال الأطلسي في المنطقة، وتستضيف قوات أمريكية ضمن ترتيبات دفاعية مع تركيا كعضو في حلف الناتو، وعلى الرغم من إعلان إيران مراراً وتكراراً أنها ستستهدف “القواعد الأمريكية في المنطقة” عند التصعيدفي حالة تم الهجوم عليها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، إلا إنها استهدفت القواعد الأمريكية الموجودة في الدول العربية ولم تُقدم على استهداف قاعدة إنجرليك الأمريكية، وفي محاولة منا لتفسير ذلك السلوك الايراني فإنه يمكن النظر إلى عدة اعتبارات استراتيجية وقانونية نسردها على التوالي.
فالاعتبار الأول يتمثل بحسابات الردع وتوسيع نطاق الحرب، فاستهداف قاعدة داخل أراضي دولة عضو في حلف الناتو يعني عملياً فتح مواجهة مباشرة مع الحلف، وليس فقط مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا قد يُفعّل آليات دفاع جماعي ويحوّل التصعيد المحدود إلى صدام إقليمي أو على نطاق أوسع، وهو ما تتجنبه طهران عادةً عبر “ضربات محسوبة” لا تستدرج تحالفاً واسعاً ضدها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك عدد من الدول العربية التي استهدفتها ايران تعتبر متحالفة مع حلف الناتو.
والاعتبار الثاني يتمثل بطبيعة العلاقة المعقّدة مع تركيا، فالعلاقة بين أنقرة وطهران تنافسية-تعاونية في آن واحد (ملفات سوريا، الطاقة، التجارة، الممرات)، واستهداف منشأة داخل تركيا سيُفسد قنوات تواصل سياسية وأمنية واقتصادية مهمة لإيران، ويحوّل تركيا من وسيط و/أو جار براغماتي إلى خصم مباشر، مع عدم نسيان العلاقة التاريخية بين الدولتين التي يشوبها الكثير من التعقيد.
والاعتبار الثالث يتمثل باعتبارات قانونية وسيادية، فمن منظور القانون الدولي، ضرب قاعدة على أراضي دولة ثالثة يُعدّ مساساً بسيادة تلك الدولة، حتى لو وُجدت فيها قوات أمريكية، والجمهوية الاسلامية الإيرانية تحرص (خطابياً على الأقل) على تكييف ضرباتها ضمن إطار “الرد على اعتداء مباشر” وتجنّب ما قد يُصنَّف عدواناً على دولة أخرى، إلا إن هذا القول عليه الكثير من النحفظات، فايران قامت بضرب قواعد في دول طرفاً ثالث، متناسية الاعتبارات القانونية الدولية.
والاعتبار الرابع يتمثل ب جدوى عسكرية مقابل كلفة سياسية، حيث أن إيران تميل إلى استهداف نقاط تعتبرها أقل كلفة سياسياً وأكثر قابلية للاحتواء (سواء عبر وكلاء أو عبر ضربات مباشرة محدودة)، بحيث تُظهر قدرة الردع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وقاعدة إنجرليك هدف عالي الرمزية والحساسية، لكن كلفته السياسية والعسكرية أعلى بكثير من عوائده.
أما الاعتبار الخامس يتمثل بالرسائل الانتقائية، ففي أزمات سابقة، اتسمت الضربات الإيرانية بطابع “الرسالة المحددة” أكثر من كونها حملة مفتوحة، اختيار الأهداف يكون جزءاً من هندسة التصعيد: من تُرسل له الرسالة؟ وما السقف المرغوب؟ إنجرليك يغيّر طبيعة الرسالة من ردّ محدود إلى مواجهة متعددة الأطراف.
ومن هنا ننطلق للقول أن قاعدة إنجرليك في تركيا تبعد عن إيران مسافة بسيطة (ضمن مدى الصواريخ الايرانية)، وهي واحدة من أكبر القواعد الأمريكية في المنطقة، ومع ذلك لم يتم استهدافها ضمن رد الفعل الايراني على الهجوم من قبل الولايات المتحدة وكيان الاحتلال، وكذلك هو الحال بالنسبة للقاعدة الأمريكية في أذربيجان، ولو حتى بطلقة رصاص واحدة، وهذا مؤشر كافي لنعرف أن الصواريخ الإيرانية لا تبحث عن العلم الأمريكي بقدر ما تبحث عن استهداف الدول العربية، وما يحدث في أيامنا هذه ليس“ردًا على واشنطن” بل استدعاء لثأر فارسي قديم مع العرب السنة، تُلبسه طهران ثوب “المذهبية والمقاومة” لتبرير ضرب العواصم العربية وإرعاب الشعوبالعربية، فالعداء الفارسي للعرب لا يقل عن العداء اليهودي للعرب، إلا أن كثير من العرب ما زالوا يتعاملون مع طهران كـ“حليف ظرفي” أو “محور مقاومة” وهم لا يعلمون إنهم الهدف التالي في مشروعها لانتقامي، وفي الوقت ذاته فإن كيان الاحتلال يسعى بكل ما أوتي من قوة لتوريط الدول العربية في الصراع مع ايران.
خلاصة القول إن عدم استهداف قاعدة إنجرليك لا يعني غياب القدرة أو الرغبة الخطابية، بل يعكس موازنة دقيقة بين الردع والتصعيد، وبين إيلام الخصم وتفادي توسيع دائرة الحرب لتشمل دولة عضو في الناتو مثل تركيا، بما يحمله ذلك من تبعات استراتيجية جسيمة.