الأردن من أكثر الدول التي سعت بإخلاص لمنع وقوع حرب إيران، لاعتبارين رئيسيين، الأول: ما تحمله من تداعيات كارثية على أمنه ودول المنطقة، وما ستخلفه من آثار سلبية على اقتصاده الذي يكافح لتجاوز تبعات عامين من عدم الاستقرار في المنطقة.
الاعتبار الثاني، وهو بقدر كبير من الأهمية، أن الحرب إن وقعت فإنها ستحمل معها تبدلا عميقا في معادلة الصراع في المنطقة، يصب في مصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى.
بعد السابع من أكتوبر 2023 كان تقدير الموقف الأردني، أن حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، وبدعم من حلفاء راسخين في دوائر القرار الأميركي والغربي، ستجعل من ذلك التاريخ نقطة تحول في مجرى الصراع على الأرض الفلسطينية، ومكانة إسرائيل في الإقليم.
اندفعت الدبلوماسية الأردنية في كل الاتجاهات، لاحتواء خسائر المرحلة قدر المستطاع. وحاولت مع أطراف عربية وأوروبية إعادة توجيه الاهتمام صوب حل عادل ومنصف لقضية الشعب الفلسطيني، كرد فعل موضوعي على دورات العنف التي لا تتوقف بسبب هذا الصراع.
في الأثناء كانت إسرائيل تحصد مكاسب إستراتيجية في الإقليم، وتحقق نجاحات عسكرية في عديد الساحات، فاض معها منسوب الثقة عند حكومة نتنياهو عن حدود المعقول. وأدرك أن تحالفه الوثيق مع الإدارة الأميركية يمنحه فرصة لن تتكرر لتسوية الحساب على كل الجبهات، وفرض الهيمنة على المنطقة.
طهران التي فقدت أذرعها في الإقليم وخسرت قاعدتها الإستراتيجية المتقدمة في سورية، لم تفلح في فهم نظرية الدومينو أو تنجح في وقفها عند حدودها.
نظام طهران مثل سواه من أنظمة التفرد الديني والقومي، تعاني من علّة متأصلة في فكرها، الذي يتخلف بعقود طويلة عن فهم ديناميكات العلاقات الدولية المعاصرة، وصراع القوى في زمن تتفوق فيه حروب الذكاء الاصطناعي على القدرات التقليدية.
ولذلك دائما ما تقع هذه الأنظمة بنفس الأخطاء التي وقعت بها من قبل أو سقط فيها حلفاء لها في معارك مشابهة. لقد أهدرت طهران فرصة الصفقة مبكرا مع واشنطن، عندما تمسكت بشروط لم يعد يسمح بها ميزان القوى بعد ما حدث من انهيارات كبرى بعد السابع من أكتوبر.
ما يخشاه الأردن حاليا أن الحرب الدائرة الآن فوق إيران وبدأت بالتوسع على كل الجبهات، لن تتوقف قبل أن تحقق إسرائيل هدفها، بتحويل إيران لكيان محطم وممزق. ومن بعد ذلك التأسيس لنظرية أمن إقليمي جديدة يكون لتل أبيب اليد الطولى فيه.
هذا هو التحدي الذي ينبغي على الأردن والدول المعنية في المنطقة أن تستعد للتعامل معه في مرحلة ما بعد الحرب.
بالنسبة للأردن فإن أي دور أمني أوسع لإسرائيل في أمن المنطقة، يعني تهديدا مباشرا لمصالح الأردن العليا. ليس في قاموس اليمين المهيمن على الحياة السياسية في إسرائيل سوى تصفية نهائية للحالة الفلسطينية في الضفة الغربية، بعد أن تكفلت واشنطن في إدارة قطاع غزة وفك ارتباطه مع الشطر الثاني من الوطن الفلسطيني المنشود.
إننا إزاء مرحلة تشبه في بعض جوانبها الكارثية، حرب احتلال العراق قبل 23 عاما وما نجم عنها من تغيير في موازين القوى. في هذه الحرب ربما نواجه مع نهايتها انهيارا لا يترك ميزانا في المنطقة على حاله.
"الغد"