بقلم: محمد حمدي البيك
يخرج المواطن الأردني من بيته محصناً بالقانون، ليفاجأ عند أول عتبة "مول" أو "مركز صيانة" بأن هناك قانوناً آخر موازياً يُدعى "السياسة الداخلية للمحل". هذه الجملة المطاطة باتت تُستخدم كدرع يحتمي خلفه بعض التجار للاستقواء على المستهلك وسلبه أبسط حقوقه التي كفلها قانون الصناعة والتجارة، وكأن هذه المؤسسات "جزر مستقلة" لا تخضع لرقابة الدولة.
بين فخر القانون في الخارج.. وضياعه في الداخل
أذكر تماماً خلال فترة إقامتي في سلطنة عُمان الشقيقة، أنني تعرضت لمخالفة سير. حينها قال لي الشرطي العُماني جملة ستبقى محفورة في ذاكرتي: "أنت لو كانت جنسيتك غير أردنية، لكنتُ وجدتُ لك مبرراً، فنحنُ تعلمنا القوانين منكم ونطبقها اليوم، وجهلك بالقانون لا يعفيك من المسؤولية".
رغم ألم المخالفة، شعرتُ بفخر لا يوصف؛ فالعالم يرى فينا "منارة للقانون"، والقوانين التي تُصاغ في عقول خبرائنا في الأردن تُطبق بصرامة واحترافية في الخارج. ولكن، المفارقة المؤلمة تكمن في أننا "نُصدّر" هيبة القانون ونفشل أحياناً في تفعيلها داخل أسواقنا ومراكزنا التجارية!
قصة "حذاء" وبيع "الخاوة"
من واقع تجربة شخصية مريرة، اشتريت حذاءً من محل شهير في أحد المولات المعروفة، وبحكم العادة لم أقسه في المحل. حين وصلت البيت تبين أن "قالب" الحذاء ضيق، فعدت خلال أقل من ساعة وبحوزتي فاتورة الشراء المثبت فيها الوقت والتاريخ. كانت الصدمة بالرفض القاطع للإرجاع بحجة "السياسة الداخلية"!
الموضوع تحول إلى ما يشبه "بيع الخاوة"؛ فالمحل يرفض التراجع عن صفقة لم تكتمل شروط الرضا فيها بمجرد أن قبض الثمن. انتهى الموقف بترك الحذاء وثمنه للمحل اختصاراً للمشكلات، ولكن هل السياسة الداخلية للمحل تعلو فوق قانون الدولة؟
التجربة العُمانية في حماية المستهلك
في المقابل، رأيت في عُمان كيف تُدار الأمور بـ "هيبة التنفيذ". تعطل تلفاز لصديق لي ورفض الوكيل الاعتراف بالكفالة. لم يستغرق الأمر سوى ساعة واحدة في مكتب "حماية المستهلك"؛ اتصال واحد من الموظف المسؤول للمفوض بالشركة، وكان الخيار أمام التاجر واضحاً: "الاستبدال أو الإرجاع الفوري". هناك، يعلم التاجر أن خلف المستهلك مؤسسة تملك سلطة الردع، بينما هنا، غالباً ما يجد المواطن نفسه في دوامة من الشكاوى الورقية واللف والدوران التي تجعله يملّ ويتنازل عن حقه.
كفالات السيارات.. حبر على ورق!
بصفتي خبيراً في صيانة المركبات، أرى هذا الاستقواء يتجلى في "كفالات الإصلاح". يأخذ المواطن ورقة كفالة لا تساوي ثمن الحبر الذي كُتبت به. وحين تظهر المشكلة، يبدأ التنصل بذرائع واهية، ويدخل المواطن في "متاهة" لاسترداد حقه المتفق عليه سلفاً. لماذا لا يكون لدينا نظام "إلزام فوري" للصيانة أو التعويض كما هو الحال في الدول التي تحترم مستهلكيها؟
الخلاصة:
المستهلك ليس حلقة ضعيفة، والقانون الذي نُصدره للعالم ونفخر به يجب أن يكون له مخالب داخل حدودنا. لن يتوقف تغول بعض التجار إلا بوجود جهة رادعة تُلغي بدعة "السياسة الداخلية" وتجبر الجميع على احترام حقوق المواطن. نحن لا نريد قوانين تُزين الرفوف، بل نريد "حماية مستهلك" هيبة الدولة لا تُقاس بعدد القوانين، بل بسرعة تنفيذها على الأرض.