الرهان الخاسر .. حين نعوّل على الآخرين.وجهان لعملة واحدة
محمد مطلب المجالي
07-03-2026 10:28 AM
في خضمِّ العواصف السياسية التي تضرب المنطقة العربية، وتحت وطأة الحروب والصراعات والتحالفات المتقلبة، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: إلى متى سنبقى نعوّل على الآخرين لحماية مصالحنا وصون أوطاننا؟ لقد أثبتت التجارب، قديمها وحديثها، أن الرهان على الخارج غالبًا ما يكون رهانًا خاسرًا، وأن كل دولة تتحرك وفق أجندتها ومصالحها، لا وفق مصالحنا ولا وفق ما نتمناه نحن.
فالسياسة الدولية ليست ساحة للعواطف أو المجاملات، بل ميدان تحكمه المصالح الصلبة والحسابات الدقيقة. ومن يقرأ تاريخ المنطقة يدرك أن القوى الكبرى لم تدخل يومًا إلى هذه الجغرافيا حبًا بأهلها أو حرصًا على استقرارها، بل جاءت مدفوعة بما تختزنه الأرض من ثروات، وما تمثله الجغرافيا من أهمية استراتيجية في موازين القوة العالمية.
لقد عوّلت بعض الدول، في مراحل مختلفة، على وعودٍ براقة وتحالفات بدت في ظاهرها متينة، لكنها سرعان ما تلاشت عندما تعارضت مع مصالح القوى الكبرى. فالحليف اليوم قد يصبح غدًا طرفًا محايدًا، أو حتى خصمًا صامتًا، إذا ما اقتضت المصالح ذلك. وهكذا تبقى الدول التي تبني سياساتها على وعود الآخرين أكثر عرضة للخذلان والارتباك.
إن الواقع السياسي في المنطقة يوضح بجلاء أن لكل دولة مشروعها الخاص، وأهدافها التي تسعى لتحقيقها، ولو جاء ذلك على حساب استقرار المنطقة أو أمن شعوبها. فالمشهد الدولي مليء بالتنافس الحاد، والتحالفات المؤقتة، والمواقف التي تتغير بتغير الظروف.
وفي خضم هذه المعادلة المعقدة، تبدو الدول التي تعتمد على قوتها الذاتية أكثر قدرة على الصمود والثبات.
إن الحكمة السياسية تقتضي أن ندرك أن قوة الأمم لا تُستورد من الخارج، بل تُبنى من الداخل؛ من وحدة الصف، وصلابة الجبهة الداخلية، واستثمار الموارد، وبناء مؤسسات قوية قادرة على مواجهة التحديات. فالأمة التي تعتمد على نفسها وتثق بإمكاناتها تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها، وأكثر استقلالًا في قراراتها.
وليس المقصود هنا الانغلاق أو العزلة عن العالم، فالتعاون الدولي ضرورة في عالم مترابط المصالح، لكن الفرق كبير بين التعاون المتوازن الذي يحفظ الكرامة والسيادة، وبين الارتهان الكامل لإرادة الآخرين. فالأول شراكة قائمة على الاحترام المتبادل، أما الثاني فهو تبعية تُفقد القرار الوطني استقلاله.
لقد علمتنا التجارب أن المنطقة العربية كانت، في كثير من الأحيان، ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، وأن بعض القوى لا ترى فيها سوى رقعة شطرنج تتحرك عليها القطع وفق مصالحها. وفي ظل هذا الواقع، يصبح التعويل على الآخرين مغامرة محفوفة بالمخاطر، قد تدفع ثمنها الأوطان والشعوب.
إن المرحلة الراهنة بما تحمله من اضطرابات وصراعات متسارعة، تفرض علينا أن نعيد قراءة المشهد بعين أكثر واقعية ووعيًا. فالأوطان لا تُحمى بالآمال، ولا تُصان بالرهانات الخاسرة، بل تُحمى بإرادة أبنائها، وبحكمة قياداتها، وبقدرتها على بناء قوتها الذاتية.
فالرهان الحقيقي ليس على الآخرين، بل على أنفسنا… على وحدتنا، وعلى وعينا، وعلى قدرتنا في تحويل التحديات إلى فرص، وبناء مستقبلٍ لا يكون فيه مصيرنا مرهونًا بإرادة من يملكون مصالحهم الخاصة قبل أي شيء آخر.
فالتاريخ لا يرحم المترددين، ولا يحفظ مكانًا لمن يعلّقون مصيرهم على وعود الآخرين. وإنما يكتب صفحاته لأولئك الذين أدركوا أن الطريق إلى الكرامة والسيادة يبدأ من الاعتماد على الذات قبل أي شيء آخر.