facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




القوة بلا أخلاق: كيف تتحول الضربة العسكرية إلى انتصار للخصم


عميد متقاعد عارف الزبن
07-03-2026 10:45 AM

في الحروب الحديثة لم يعد السؤال العسكري الأهم هو كيف نضرب الهدف؟ بل متى ولماذا يجب أن نضربه أصلاً. فالقوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين لم تعد مجرد أداة لتحقيق التفوق في ميدان المعركة، بل أصبحت جزءاً من معادلة استراتيجية معقدة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية، والسياسية، والإنسانية، والعسكرية. وفي بيئات الصراع المعاصرة (الولايات المتحدة وايران)، حيث تتقاطع خطوط القتال في المدن المكتظة بالسكان، قد تتحول الضربة العسكرية الأكثر دقة من الناحية التقنية إلى خطأ استراتيجي إذا لم تُحسب آثارها السياسية والاجتماعية بعناية. ولهذا لم تعد العقائد العسكرية الحديثة تقيس نجاح العمليات فقط بقدرتها على تحييد أهداف الخصم، بل بقدرتها أيضاً على إدارة استخدام القوة بطريقة تحافظ على الشرعية القانونية وتحد من الأضرار الإنسانية. فالتاريخ العسكري يبين أن الحروب لا تُحسم بالقوة النارية وحدها، بل بمدى قدرة الجيوش على استخدام تلك القوة ضمن إطار من الضوابط القانونية والأخلاقية التي تمنع تحول النصر التكتيكي إلى خسارة استراتيجية.

لقد شاركت في عمليات قتالية في أفغانستان عام 2010، وهي تجربة لا يمكن لأي عسكري أن يمر بها دون أن تترك في داخله أسئلة أخلاقية عميقة حول معنى الحرب وحدود استخدام القوة العسكرية. وعلى الرغم من قسوة تلك الحرب، فإنني أحمد الله أننا لم نقتل أو نشارك في قتل أي مدني، لا من طالبان ولا من الأفغان، مستندين في ذلك إلى ما يمكن وصفه بسلاح أقوى من الرصاصة، وهو مضامين ومحاور رسالة عمّان في مواجهة الغلو والتطرف والتي هي من فكر صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين.

ورغم أن حرب أفغانستان وُصفت في الأدبيات العسكرية بأنها حرب مكافحة تمرد (Counterinsurgency – COIN)، فإن ما بقي عالقاً في الذاكرة لم يكن العمليات العسكرية وحدها، بل منظومة القيم والانضباط الأخلاقي التي كانت تحكم سلوك القوات العسكرية في الأرض والجو.

في تلك الحرب كانت القوات الدولية العاملة في أفغانستان (ISAF) تعمل وفق توجيهات عملياتية صارمة، من أبرزها ما يعرف لدى العسكريين الأمريكيين بـ قواعد الاشتباك (Rules of Engagement – ROE). وهذه القواعد لا تُعد مجرد تعليمات إجرائية، بل تمثل جزءاً من العقيدة العسكرية (Doctrine) التي تحكم استخدام القوة في العمليات العسكرية، ويُحاسَب كل من يخالفها وفق أحكام القانون العسكري. كما تُدرَّس هذه القواعد في المدارس والمعاهد العسكرية، وتُوثَّق في الكراسات والمرجعيات العسكرية الرسمية.

ومن بين هذه المرجعيات Joint Publication 3-05.2 الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية، والتي توضح آليات عملية الاستهداف ضمن إطار قانوني وعقائدي يستند إلى مبادئ القانون الدولي والالتزام بقواعد قانون النزاعات المسلحة (Law of Armed Conflict – LOAC). وتُعد وثيقة JP 3-05.2 المعنونة Joint Tactics, Techniques, and Procedures for Special Operations Targeting and Mission Planning إحدى المرجعيات العقائدية الأساسية في تنظيم عملية التخطيط للأهداف العسكرية، إذ تشكل جزءاً من منظومة التوجيهات والإجراءات العملياتية الثابتة التي تحكم آليات اختيار الأهداف وتقييمها.

وتقوم هذه القواعد على ثلاثة مبادئ أساسية في القانون الدولي الإنساني، هي مبدأ الضرورة العسكرية والتناسب، ومبدأ التمييز. فبموجب هذه المبادئ يُحظر استخدام القوة بطريقة تؤدي إلى دمار مفرط أو معاناة إنسانية غير مبررة مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة من العملية. كما تفرض هذه القواعد ضرورة التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، بما يوجب استهداف الأهداف العسكرية فقط، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إصابة المدنيين. وفي هذا الإطار يبرز أيضاً حظر صريح لأي أعمال عنف تهدف إلى بث الرعب بين السكان المدنيين، إذ تنص قواعد القانون الدولي الإنساني بوضوح على أن: “Acts of violence intended to spread terror among the civilian population are prohibited.”

كما كان القادة الميدانيون يصدرون ما يُعرف بـ التوجيهات العملياتية (COM Tactical Directive) ضمن إطار قواعد الاشتباك، شدّدت هذه التوجيهات على تقليل الخسائر بين المدنيين الى ادنى حد ممكن، حتى لو تطلب ذلك التضحية ببعض المكاسب التكتيكية في الميدان.

وأتذكر موقفاً شخصياً خلال زيارة إلى ولاية وردك / أفغانستان برفقة الجنرال ديفيد بتريوس، عندما تعرض موقعنا لرماية بصواريخ كاتيوشا.

وعلى الرغم من وجود عنصر مؤهل لتنسيق الإسناد الجوي، وهو ما يعرف حديثا مراقب الهجوم المشترك (Joint Terminal Attack Controller – JTAC)، إلا أن بتريوس قرر إيقاف طلب الإسناد الجوي بسبب وجود مدنيين في محيط المنطقة.

وقد جسدت تلك اللحظة تطبيقاً عملياً لمفهوم أصبح جزءاً من العقيدة العسكرية في تلك الحرب، وهو ما يعرف بـ الصبر القتالي (Tactical Patience)، أي الامتناع عن استخدام القوة العسكرية عندما تكون المخاطر المحتملة على المدنيين أعلى من المكاسب العسكرية المتوقعة.

ففي المناطق ذات الكثافة المدنية المرتفعة ، عادة ما يكون الخيار الأول غالباً هو المراقبة أو الانتظار، أو السماح للهدف بالتحرك حتى يغادر المنطقة المدنية، بدلاً من اللجوء مباشرة إلى القوة الجوية أو النيران الثقيلة.

وفي حالات أخرى كانت تُنفذ ما يعرف بـ العمليات الجراحية الدقيقة (Surgical Operations)، التي تعتمد على معلومات استخبارية دقيقة وتستخدم قوة محدودة من القوات الخاصة لتحقيق الهدف دون تعريض المدنيين للخطر. كما كانت غرف العمليات تستخدم ما يُعرف بـ مصفوفة قرار الضربة العسكرية (Operational Strike Decision Matrix)، وهي أداة تحليلية تهدف إلى موازنة القرار العملياتي مع مجموعة من العوامل، مثل قيمة الردع (Deterrence Value)، وطبيعة البيئة المحيطة بالهدف، ونوع الهدف ذاته.

وبناءً على هذا التحليل والتقييم قد يُتخذ القرار بتنفيذ ضربة دقيقة (Precision Strike) باستخدام نوع محدد من الأسلحة، أو اختيار وسيلة مختلفة لتحقيق الهدف، أو حتى تأجيل أو إلغاء الضربة إذا تبين أن المخاطر المحتملة تفوق المكاسب العسكرية المتوقعة. وعند اتخاذ قرار استهداف هدف داخل منطقة مدنية، يجب أولاً التأكد من مشروعية الهدف عبر ما يُعرف بعملية التحديد الإيجابي للهدف (Positive Target Identification – PID)، وذلك من خلال وسائل الاستطلاع والمراقبة (ISR) باستخدام الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار واعتراض الاتصالات، أو عبر المصادر البشرية (HUMINT).

كما يتطلب الأمر تحليل وتقييم البيئة المحيطة بالهدف، بما يشمل تقدير عدد المدنيين، وطبيعة المباني في المنطقة، ووجود منشآت مدنية مثل المدارس أو دور العبادة أو المواقع الأثرية. وبناءً على هذه المعطيات يتم إجراء تقدير الأضرار الجانبية (Collateral Damage Estimate) من خلال دراسة عوامل متعددة مثل نصف قطر الانفجار ونوع الذخيرة المستخدمة واحتمالية إصابة المباني المجاورة وعدد المدنيين المحتمل تأثرهم.

لكن هذه المبادئ لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتاج دروس تاريخية مؤلمة في التاريخ العسكري الامريكي. ومن أبرز تلك الدروس حادثة مجزرة قرية ماي لاي (My Lai Massacre) التي أعطيت لي في محاضرة عام 1990 عندما كنت في دورة الصاعقة Ranger في قاعدة فورت بينينغ.

حيث حدثت تلك المجزرة خلال حرب فيتنام 1968، عندما قُتل 504 من المدنيين (أطفال، ونساء وشيوخ). وقام الضباط والجنود من وحدات الصاعقة Rangers سرية تشارلي، بحرق المنازل وتدمير القرية. وقد تحولت هذه الحادثة إلى درس كلاسيكي يُدرَّس في المدارس والمعاهد العسكرية الأمريكية حول مسؤولية القادة العسكريين وأهمية الالتزام بقواعد الاشتباك وحماية المدنيين في مناطق النزاع
ومن الأمثلة على ذلك ما حدث عندما قصفت قوات التحالف في اليمن، بتاريخ 8 أكتوبر 2016، صالة عزاء في صنعاء استناداً إلى معلومات استخبارية خاطئة، ما أدى إلى مقتل نحو 140 مدنياً. كما أثار قصف حافلة مدرسية في صعدة بتاريخ 9 أغسطس 2018، والذي أسفر عن مقتل نحو 40 طفلاً، موجة واسعة من الانتقادات الدولية. وقد انعكست هذه الحوادث على مستوى السياسات الدولية، إذ أعلنت الولايات المتحدة لاحقاً وقف عمليات التزويد بالوقود جواً لطائرات التحالف، كما طرح عدد من أعضاء الكونغرس مشاريع قرارات لوقف صفقات الأسلحة، خصوصاً الذخائر الموجهة بدقة، إلى دول التحالف.

وعلى الرغم من ذلك استخدم الرئيس دونالد ترامب حق النقض (الفيتو) ضد أحد قرارات الكونغرس المتعلقة بتقييد صفقات السلاح، قبل أن تأتي لاحقاً إدارة جو بايدن التي أعلنت استمرار بيع الأسلحة ذات الطابع الدفاعي لدول التحالف، مثل أنظمة الدفاع الجوي، مع إعادة تقييم بعض جوانب الدعم العسكري المرتبط بالعمليات الهجومية.

ففي إطار هذه الاعتبارات الاستراتيجية يبرز الجدل حول استهداف الشخصيات القيادية مثل استهداف وقتل او اغتيال المرشد الإيراني الأعلى خامنئي الذي قد يصنف في الأدبيات العسكرية ضمن الأهداف الاستراتيجية (Strategic Targets) أو الأهداف عالية القيمة (High Value Targets – HVT). فحتى عندما يُنظر إلى مثل هذه الشخصيات باعتبارها أهدافاً ذات قيمة عسكرية أو سياسية عالية، فإن طريقة تنفيذ العملية والبيئة المحيطة بها تظل عاملاً حاسماً في تقييم نتائجها الاستراتيجية. فاستهداف شخصية بهذا المستوى في منطقة مأهولة أو في ظروف قد تؤدي إلى سقوط مدنيين، بما في ذلك أفراد من عائلته أو من المدنيين المحيطين به، قد يفضي إلى نتائج تتجاوز البعد العسكري المباشر.

وينطبق الأمر ذاته على الحوادث التي ادت إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين لاحقا، مثل التقارير التي تحدثت عن مقتل نحو 150 طالبة في مدرسة ابتدائية للبنات في جنوب إيران خلال اليوم الأول من القصف. فمثل هذه الحوادث، بصرف النظر عن ملابساتها العملياتية أو الاستخبارية، قد تتحول سريعاً إلى عامل تعبئة سياسية واجتماعية داخل الدولة المستهدفة، وتُسهم في توحيد الجبهة الداخلية وزيادة مستويات التصعيد. وفي مثل هذه الحالات قد تتحول الضربة العسكرية، التي كان يُفترض أن تحقق مكسباً عملياتي، إلى عامل يمنح الخصم زخماً سياسياً وشعبياً ويُسهم في توسيع دائرة الصراع.

ومع ذلك، يبدو أن الالتزام بهذه المبادئ يواجه تحديات متزايدة في النزاعات المعاصرة، خصوصاً في الحروب التي تجري داخل المدن والمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة. لقد أدركت الجيوش الحديثة أن سقوط المدنيين لا يمثل مجرد مأساة إنسانية، بل قد يتحول أيضاً إلى خسارة استراتيجية. فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط في ميدان المعركة، بل أيضاً في كسب ثقة السكان المحليين والتأثير في الرأي العام الدولي.

وفي هذا السياق يصبح السؤال الحقيقي أمام صناع القرار العسكري ليس فقط: هل يمكن ضرب الهدف؟ بل أيضاً: ما الذي سيحدث بعد الضربة؟ ففي بعض الأحيان قد تتحول الضربة العسكرية، رغم نجاحها التكتيكي، إلى مكسب استراتيجي للخصم إذا أدت إلى سقوط مدنيين أو إلى تعبئة الرأي العام ضد القوة المنفذة للعملية. فتتحول الضربة الى عامل تعبئة داخلية يعزز تماسك الجبهة الداخلية وزيادة الدعم الشعبي للقيادة السياسية او العسكرية مانحا الخصم زخماً سياسياً وشعبياً قد يفوق في تأثيره المكسب العسكري الذي تحقق في الميدان، خصوصاً إذا لم تُحسب العملية ضمن تقدير دقيق يأخذ في الاعتبار البيئة الاجتماعية والسياسية المحيطة بها.

وفي الختام، فإن التحدي الحقيقي للجيوش الحديثة في هذه الحرب، لا يكمن في قدرتها على تدمير أهداف العدو بالقوة النارية، بل في قدرتها على استخدام القوة ضمن حدود القانون الدولي والضمير الإنساني. فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط بالقوة العسكرية، بل أيضاً بشرعية استخدامها. والتاريخ العسكري يثبت أن القوة التي تفقد أخلاقياتها قد تحقق انتصاراً تكتيكياً في ساحة المعركة، لكنها في النهاية قد تخسر الحرب على المستوى الاستراتيجي والسياسي.

العميد الركن المتقاعد عارف سليم الزبن ضابط سابق في القوات الخاصة الأردنية وشارك في عمليات عسكرية في أفغانستان ضمن القوات الدولية، ويعمل باحثاً وكاتباً في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، مع اهتمام خاص بالعقيدة العسكرية وأخلاقيات الحرب وقانون النزاعات المسلحة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :