حين يكون الغياب أفضل من الحضور
محمد نور الدباس
08-03-2026 01:41 PM
اعتدنا في ثقافتنا الاجتماعية أن نربط الحضور بالقيمة، وأن نرى في الوجود بحد ذاته إضافة، غير أن التجربة الإنسانية، في العمل وفي الحياة العامة، تكشف حقيقة مختلفة تمامًا، فليس كل حضور نعمة، بل بعض الحضور عبء، وبعض الغياب راحة، فليس كل وجودٍ إضافة، فبعض الأشخاص حين يحضرون يثقلون المكان بدل أن يثروه، ويتركون خلفهم توتراً بدل الطمأنينة، وفي المقابل، حين يغيبون لا يشعر الناس بفراغ، بل يشعرون بشيء من الهدوء، هذه حقيقة اجتماعية تتكرر في المؤسسات والعلاقات الإنسانية وحتى في المجال العام.
فالقيمة الحقيقية لأي إنسان لا تُقاس بمجرد وجوده في الموقع أو المجلس أو الوظيفة، بل بما يضيفه من أثر إيجابي، فهناك أشخاص يبنون ويحفزون ويجمعون الناس حول فكرة أو هدف، وهؤلاء يصبح حضورهم ضرورة، لكن في المقابل هناك نمط آخر من الأشخاص، يشيعون الإحباط، ويزرعون الشك، ويحولون أي بيئة إلى ساحة توتر دائم.
هناك أشخاص حين يدخلون إلى أي بيئة (مؤسسة، أو فريق عمل، أو حتى مجلس اجتماعي) لا يجلبون معهم فكرة أو طاقة أو حلًا، بل يجلبون التوتر والشك والخصومة، وجودهم لا يضيف إلى المكان بقدر ما يستهلكه، فهم يبددون الوقت، ويستنزفون الجهد، وينثرون الطاقة السلبية، ويحولون أي مساحة مشتركة إلى ساحة صراع خفي، وعدم امتلاكهم لمهارات اتخاذ القرار، ومهارات القيادة بشكل عام.
هذه الفئة من الناس لا تمارس الهدم دائمًا بشكل مباشر؛ بل غالبًا ما تتخفى وراء شعارات النقد والحرص والغيرة على المصلحة العامة، لكن الفارق كبير بين النقد الذي يبني، والنقد الذي لا يفعل شيئًا سوى تثبيط العزائم وإطفاء الحماس.
في المؤسسات على وجه الخصوص، قد يكون أخطر ما يواجه بيئة العمل ليس نقص الموارد ولا ضعف الإمكانات، بل وجود أشخاص يمتلكون قدرة استثنائية على نشر الإحباط، فشخص واحد يحمل عقلية سلبية قد ينجح في تعطيل طاقة فريق كامل، لأن الروح المعنوية في العمل جماعية بطبيعتها، وما يفسدها ينتشر أسرع مما يبنيها.
والأكثر خطورة أن هذه الأنماط البشرية غالبًا ما تتقن فن البقاء، فهي لا تنتج ما يكفي لتكون مؤثرة إيجابيًا، لكنها تثير من الضجيج ما يكفي لتبقى حاضرة، فتتحول مع الوقت إلى عبء مزمن داخل أي منظومة، يصعب تجاهله ويصعب إصلاح أثره، فهو كمرض السرطان لا يمكن التخلص منه إلا بالإجراء الجراحي، والذي قد لا يكون كافياً، بل يتطلب العلاج الكيماوي الذي يستنزف الجسد والروح للمريض (المؤسسة)، وفي حالة نجاح العلاج فإن عملية التماثل للشفاء تحتاج إلى وقت طويل جداً للتعافي الكامل منه.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود هؤلاء، فكل مجتمع أو مؤسسة قد يمر بمثل هذه الشخصيات، لكن المشكلة في الاعتياد عليهم، حين تصبح السلبية جزءًا من المشهد اليومي، يفقد الناس تدريجيًا حساسيتهم تجاهها، ويبدأ الانحدار البطيء في مستوى الأداء والثقة والروح العامة، ولنتخيل وجود مثل هؤلاء الأشخاص على مستوى الإدارة العليا في أي مؤسسة، والأثر السلبي الذي سيتركونه أو يؤسسوا له، مع وجود العديد من هؤلاء الأشخاص من يعتقد أن الموظفين في أسفل الهرم الوظيفي هم من يفرضون المناخ العام السلبي في الشركة أو المؤسسة وليس الإدارة العليا (أعلى الهرم الوظيفي).
ولهذا فإن من أهم مظاهر النضج المؤسسي والاجتماعي أن يُقاس الأشخاص بأثرهم الحقيقي، لا بمجرد مواقعهم أو حضورهم، فهناك حضور يفتح الأبواب، ويصنع الأمل، ويحفز الآخرين على العمل، وهذا حضور ثمين، وفي المقابل هناك حضور يغلق الأبواب، ويزرع الشك، ويطفئ الحماس، وهذا حضور مكلف أكثر مما يبدو.
في النهاية، ليست المشكلة في الغياب، فالأماكن لا تخسر شيئًا حين يغيب من لم يكن يضيف إليها أصلًا، بل إن بعض الغياب قد يكون بداية لاستعادة التوازن، وعودة الهواء النقي إلى بيئة أنهكها الضجيج، فالقيمة الحقيقية لأي إنسان ليست في أنه موجود… بل في أن وجوده يصنع فرقًا وأثراً إيجابياً.