"ما أشبه اليوم بالأمس"، أثناء حرب الخليج الثانية "بعد الغزو العراقي الظالم للكويت" عام 1990م، والغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، وقف النظام الإيراني الذي كان وما يزال يرفع شعار "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل" بشكل "غير معلن" إلى جانب التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، ومهّد الطريق للقوات الغازية لاجتياح العراق من خلال الإيعاز لمؤيديه داخل العراق بعدم المقاومة والتزام الحياد، رغم أن التحالف في كلا الحربين "حرب تحرير الكويت ، حرب غزو العراق" كان في معظمه داعمّاً للعراق في حربه مع إيران .
بعد سقوط النظام العراقي السابق، نشأ فراغ أمني "قاتل" بفعل قيام حاكم العراق الأمريكي "بول بريمر" بحل الجيش والأجهزة الأمنية، في ظل تجاذبات سياسية بين الأفرقاء "حلفاء إيران" الذين دخلوا بغداد مع الدبابات الأمريكية. استغل النظام الإيراني "سقوط بغداد" في تقاسم النفوذ داخل العراق مع الولايات المتحدة الأمريكية، مما ساهم في تأجيج الصراع الطائفي بين مكونات المجتمع العراقي، الذي عانى لسنوات طويلة من "ويلات" القتل والتشريد.
استطاعت إيران من خلال البعد "الجيوطائفي"، والتداخل المجتمعي، وولاء الفصائل العراقية المرتبطة بها أيديولوجيًا وتنظيميًا، السيطرة على كثير من مفاصل الدولة العراقية، والتدخل المباشر في الشأن العراقي على اعتباره "حديقة خلفية" ودولة تابعة. نجحت إيران في بعض المحطات من إبعاد العراق عن محيطه العربي من خلال النزعة الطائفية، ولم يكتفِ النظام الإيراني بجائزة "العراق" العدو اللدود لإيران "النظام" أيام "البعث"، بل امتدت مطامعه الإقليمية المعنية بالسيطرة الفعلية على القرار العربي، وتصدير الثورة "المغلفة" بطابع طائفي "مقاوم" للمشروع الصهيوني، لتشمل الهيمنة على قرار "السلم والحرب" في عدد من الدول العربية، بالإضافة إلى المحاولات المستمرة في نشر المذهب "الشيعي" داخل المجتمعات العربية "السنية".
ومن أجل استكمال تحقيق أهدافها في السيطرة على المنطقة، استغلت إيران أيضًا عداء الشعوب العربية والإسلامية للكيان الصهيوني، وجرائم الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، وقيام الكيان المحتل بنشر القتل والفوضى في الأقطار العربية المجاورة والبعيدة، ليكرّس النظام الإيراني نفسه قائدًا لمحور المقاومة والممانعة، على اعتبار أن إيران الدولة الوحيدة القادرة على الوقوف بوجه الكيان الصهيوني، ومن يقف خلفه من قوى الاستكبار العالمي على "حد تعبيره".
أطماع إيران في التمدد غرباً، والهيمنة على دول المنطقة باعتبارها "دولة إقليمية كبرى" تسعى لامتلاك سلاح نووي، اصطدمت بالمشروع التوسعي "إسرائيل الكبرى" للكيان الصهيوني المحتل المدعوم من دول الغرب على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، لم تنجح محاولات الاحتواء الغربي لمشروع إيران النووي الذي فُسِّر على أنه موجه بالأساس لمواجهة القوة النووية الإسرائيلية والنفوذ الغربي، فكان لا بد من تحجيم دور إيران في المنطقة بكل حزم، وإجراء عملية تقليم "أظافر" لأذرعها المنتشرة على حدود الكيان الصهيوني في "فلسطين التاريخية"، وإنهاء سيطرتها على عدد من المنافذ البحرية المتحكمة بالتجارة الدولية.
ابتزاز الدول العربية من القوى العالمية بحجة حمايتهم من الأخطار المحيطة بها من ضمنها التمدد الجيوسياسي الإيراني، وإذكاء سباق التسلح عبر شراء الأسلحة بمئات المليارات من الدولارات عبر سنين خلت، استنفد أغراضه، لوجود بدائل وأساليب أخرى تنتهجها الإدارت الغربية ، خصوصًا أنها تضع قيودًا على استخدام الأسلحة، وشرطاً "واجباً" بعدم توجيه هذه الأسلحة تجاه الكيان الصهيوني المحتل، مع العلم بأن هذه الأسلحة أقل كفاءة مما يُعطى لإسرائيل.
أمريكا وإسرائيل وإيران لهم "أيادٍ سوداء" على الدول العربية، وأيديهم ملطخة بدماء الأبرياء من شعوبها، وما يجري بينهم الآن "الحلقة الأخيرة" من "صراع نفوذ" بكل ما تحمله الكلمة من اختصار لتحليلات وتوقعات، "المنتصر" منهم هو من يفرض شروطه وهيمنته على منطقة "الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، التي يغلب العنصر العربي على 70% من سكانها، وتدين معظم شعوبها بالدين الإسلامي بنسبة تتجاوز 90%، أغلبهم من المكون السني بنسبة 84%، والخاسر الأكبر من انتصار أي منهم هي الدول الرسمية العربية وشعوبها.
"سلخ جلد النظام الإيراني" هو العنوان الأبرز للحملة "الإسرامريكية" على إيران، مع التأكيد على تدمير قدرات إيران النووية والصاروخية. وتعمل الحملة العسكرية أيضاً على تفكيك الدولة العميقة "رجال الدين والحرس الثوري"، وما يجري من استهداف مباشر "اغتيال" لرجال النظام الإيراني بشكل أساسي بفعل الضربات العسكرية يهدف إلى أمرين:
أولاً: إسقاط النظام الإيراني بشكل كامل ومنعه من إعادة إنتاج نفسه مستقبلًا، أو تفريغه من الصف الأول والثاني من القيادات المتشددة، والقبول بشخصية معتدلة تقبل بالشروط الأمريكية والإسرائيلية بشكل معلن أو من تحت "الطاولة".
ثانياً: التمهيد لثورة داخل الجغرافيا الإيرانية أو من خارج الحدود، سواءً كانت شعبية بشكل "فوضوي" أو بقيادة فصائل معارضة لها مؤيدون على الأرض.
في ظل الدولة القُطرية العربية، تبرز عدة أسئلة حائرة برسم الألم تطرح نفسها بقوة هذه الأيام:
- أين المشروع العربي في مواجهة القوى الغاشمة من الطرفين، والدول العربية مسرح للعمليات الانتقامية؟
- إلى متى تبقى الدول العربية مناطق نفوذ وساحات لتصفية الحسابات بين قوى دولية وإقليمية؟
- أين معاهدة الدفاع العربي المشترك والعواصم العربية تُدك بالصواريخ والطائرات المسيرة من كل حدب وصوب؟
نأخذ بالأسباب، نتمسك بالتفاؤل، لأننا نحب الأردن .
حمى الله الأردن واحة أمن واستقرار، وعلى أرضه ما يستحق الحياة.
* محلل سياسي واقتصادي