إدارة التصعيد هي مفهوم يُستخدم في السياسة والعلاقات الدولية والدراسات العسكرية ويعني التحكم المتعمد بدرجة التوتر أو الصراع بين الأطراف المتنازعة بحيث لا يخرج عن السيطرة أو يتحول إلى حرب شاملة، وبمعنى آخر، هو فن رفع مستوى الضغط أو خفضه بشكل محسوب لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكامل.
وإذا تمعنا أكثر في معنى مصطلح التصعيد؛ فالتصعيد هو زيادة مستوى الصراع أو التوتر عبر وسائل مثل عمليات عسكرية محدودة، أو تهديدات سياسية أو إعلامية، أو عقوبات اقتصادية، أو هجمات سيبرانية، أو تحريك قوات عسكرية، لكن عندما نتحدث عن إدارة التصعيد فالمقصود ليس مجرد التصعيد، بل التحكم في مساره وحدوده.
ومن زاوية أخرى ننظر إلى أدوات إدارة التصعيد، فالدول عادة ما تستخدم عدة أدوات لضبط التصعيد؛ ومن هذه الأدوات الرد المتدرج، والرد على كل خطوة بخطوة محسوبة دون تجاوز سقف معين، والرسائل غير المباشرة عبر وسطاء أو تصريحات إعلامية توضح حدود الرد، والضربات المحدودة، وعمليات عسكرية رمزية أو محدودة الهدف، وقنوات الاتصال الخلفية، وتواصل سري بين الخصوم لتجنب سوء الفهم، وضبط مسرح العمليات، وحصر المواجهة في منطقة محددة.
وإذا نظرنا من زاوية أخرى وهي زاوية أهداف إدارة التصعيد؛ فتسعى الدول من خلالها إلى تحقيق الردع، واختبار رد فعل الخصم، وتحسين الموقف التفاوضي، وتجنب حرب شاملة مكلفة، وأي أنها محاولة للجمع بين الضغط والسيطرة في الوقت نفسه.
ومن زاوية مستويات التصعيد؛ فيمكن تصور التصعيد كسلم يتكون من عدة درجات تصاعدياً تبدأ من التصعيد السياسي، ومن ثم تصريحات وتهديدات، والتصعيد الاقتصادي، والعقوبات أو الحصار، والتصعيد العسكري المحدود، والضربات أو العمليات المحدودة، والمواجهة العسكرية الواسعة، فإدارة التصعيد تعني منع الانتقال غير المقصود إلى الدرجة الأخيرة.
ومن زاوية مخاطر إدارة التصعيد؛ فعلى الرغم من أنها استراتيجية شائعة، إلا أنها تحمل مخاطر كبيرة مثل سوء التقدير، وسوء الفهم بين الأطراف، ورد فعل غير متوقع من الخصم، ووهذا ما يسميه بعض المنظرين الخروج عن السيطرة.
أما زاوية التحليل السياسي المعاصر؛ فكثير من المحللين يربطون إدارة التصعيد بما يسمى "ضبط الحرب تحت العتبة"، أي إبقاء الصراع دون مستوى الحرب الشاملة، وغالباً ما يظهر هذا المفهوم في الصراعات الإقليمية، والمواجهات بين القوى الكبرى، الحروب غير المباشرة.
وفي الشرق الأوسط في الأحداث الدائرة تستخدم الدول إدارة التصعيد كأداة استراتيجية للحفاظ على التوازن بين الردع وعدم الانجرار إلى حرب شاملة، فمع تشابك المصالح الإقليمية والدولية في المنطقة، أصبحت معظم الصراعات تُدار وفق مبدأ “التصعيد المحسوب” أو ما يسمى أحياناً الحرب تحت العتبة، ويمكن فهم كيفية استخدام هذا الأسلوب من خلال عدة أنماط واضحة في الصراعات الحالية؛ فهناك نمط الضربات المحدودة ذات الرسائل السياسية، حيث تلجأ بعض الدول إلى عمليات عسكرية محدودة النطاق تهدف إلى إرسال رسالة ردع دون فتح حرب واسعة، على سبيل المثال ضربات جوية على أهداف محددة، وعمليات استخبارية دقيقة، واستهداف مواقع عسكرية دون استهداف البنية التحتية المدنية الكبرى، والهدف هنا هو إظهار القدرة العسكرية، والرد على الخصم، وإبقاء باب التهدئة مفتوحاً.
وهناك نمط الحروب بالوكالة؛ فيُعد الشرق الأوسط أحد أبرز مسارح الحروب بالوكالة، وفي هذا النموذج تتجنب الدول المواجهة المباشرة، وتستخدم حلفاء محليين أو فصائل مسلحة لإدارة الصراع، وهذه الآلية تحقق عدة أهداف؛ مثل تقليل كلفة الحرب المباشرة، ومثل إبقاء مستوى التصعيد تحت السيطرة، ومثل إمكانية الإنكار السياسي.
والنمط الآخرضبط سقف الرد العسكري؛ فكثيراً ما نلاحظ أن الردود العسكرية تكون محسوبة بدقة من حيث عدد الأهداف، ومن حيث نوع السلاح المستخدم، ومن حيث المكان الجغرافي للهجوم،ن فعلى سبيل المثال استهداف مواقع عسكرية فقط، وتجنب ضرب عواصم الدول، وتجنب قتل أعداد كبيرة من المدنيين، وكل ذلك يهدف إلى منع الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة.
وهناك نمط استخدام التصريحات السياسية كأداة تصعيد أو تهدئة، ففي المنطقة، الخطاب السياسي والإعلامي جزء من إدارة التصعيد، وتستخدم الدول تهديدات قوية لردع الخصم، وتستخدم رسائل تهدئة عبر قنوات دبلوماسية، وتستخدم تصريحات غامضة تترك مجالاً للمناورة، وهذه اللغة السياسية تسمح برفع التوتر أو خفضه دون تحرك عسكري كبير.
وهناك نمط آخر هو القنوات الخلفية والوساطة؛ فرغم التصعيد الظاهر، غالباً ما توجد قنوات اتصال غير معلنة بين الخصوم عبر وسطاء مثل، دول إقليمية، وقوى دولية، وأجهزة استخبارات، فهذه القنوات تساعد في منع سوء التقدير، وتساعد في وضع حدود غير معلنة للصراع، وتساعد في ترتيب تهدئة مؤقتة.
وهناك نمط إدارة الجغرافيا العسكرية للصراع؛ حيث تقوم الدول أحياناً بحصر المواجهة في مناطق معينة حتى لا تتوسع الحرب، مثل إبقاء المواجهة في حدود دولة معينة، ومثل تجنب فتح جبهات متعددة، ومثل تحييد بعض الدول أو المسارات البحرية.
أما النمط الأخير فهو مفهوم “التوازن الرادع”؛ فالكثير من صراعات المنطقة أصبحت قائمة على معادلة التصعيد المحدود مقابل الرد المحدود، أي أن كل طرف يصعد قليلاً، وثم ينتظر رد الخصم، ثم يعيد ضبط مستوى التصعيد، وهو ما يشبه إدارة صراع طويل دون حسم نهائي.
خلاصة القول، إن إدارة التصعيد في الشرق الأوسط تقوم على ثلاث قواعد أساسية؛ قاعدة إظهار القوة دون الذهاب إلى حرب شاملة، وقاعدة استخدام أدوات غير مباشرة للصراع، وقاعدة الحفاظ على قنوات التهدئة حتى أثناء التصعيد، ولهذا تبدو كثير من صراعات المنطقة حروباً مستمرة لكنها غير مكتملة.