الحرب النفسية… المعركة الصامتة الدائرة الآن
د. هيفاء ابوغزالة
10-03-2026 03:59 PM
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تُطلق أو المواقع التي تُقصف. ففي زمن الإعلام الرقمي والتدفق الهائل للمعلومات، باتت هناك جبهة أخرى لا تقل خطورة عن ميادين القتال: جبهة العقول. إنها الحرب النفسية، تلك المعركة الخفية التي تُدار بهدوء، لكنها قادرة على إرباك المجتمعات وتغيير موازين القوة دون إطلاق رصاصة واحدة.
في الصراع المحتدم حالياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا تُستخدم القوة العسكرية فقط، بل تُستخدم أيضاً أدوات التأثير النفسي والإعلامي بشكل مكثف. فكل طرف يسعى إلى صياغة روايته الخاصة للحرب، ليس فقط لإقناع جمهوره الداخلي، بل للتأثير في الرأي العام العالمي وإرباك خصمه.
الحرب النفسية في هذا السياق تقوم على صناعة الانطباع قبل صناعة الحدث. فالإعلانات المتكررة عن “قدرات عسكرية غير مسبوقة”، وتسريب معلومات استخباراتية، ونشر صور الأقمار الصناعية، والتلويح بردود قاسية أو ضربات قادمة… كلها أدوات تهدف إلى خلق حالة من الضغط النفسي لدى الطرف الآخر. فالرسالة ليست دائماً عسكرية بقدر ما هي نفسية: إظهار القوة، وإضعاف ثقة الخصم بنفسه.
وفي المقابل، تلجأ الأطراف المختلفة إلى استراتيجية معاكسة تقوم على التقليل من شأن ضربات الخصم، والتأكيد على الصمود، وإبراز القدرة على الرد. هنا تصبح المعركة معركة سرديات؛ كل طرف يحاول إقناع جمهوره بأنه الأقوى، وأن زمام المبادرة بيده.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في الرسائل المتبادلة بين الأطراف المتحاربة، بل في تأثير هذه الحرب النفسية على المجتمعات المحيطة والمتابعة للصراع. ففيض المعلومات المتناقضة، وتسارع الأخبار، وغياب التحقق أحياناً، قد يخلق حالة من القلق الجماعي والارتباك السياسي. وهنا يتحقق أحد أهداف الحرب النفسية: إرباك البيئة المحيطة بالصراع وتوسيع دائرة التأثير النفسي للحرب.
كيف يمكن التفريق بين الخبر الحقيقي وأدوات الحرب النفسية؟
هناك عدة مؤشرات أساسية. أولها المبالغة في تصوير الأحداث أو تضخيمها بشكل غير متناسب مع الوقائع الميدانية. وثانيها الاعتماد على “مصادر مجهولة” أو “تسريبات غير مؤكدة”. أما المؤشر الثالث فهو التكرار المكثف لرسائل معينة بهدف ترسيخها في الوعي العام حتى تتحول إلى “حقيقة متداولة”، بغض النظر عن دقتها.
إن أخطر ما في الحرب النفسية أنها تستهدف الوعي قبل أي شيء آخر. فإذا نجحت في زرع الشك والخوف والتشويش، فإنها تحقق جزءاً كبيراً من أهدافها دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة.
ولهذا فإن المجتمعات اليوم تحتاج إلى مناعة معرفية بقدر حاجتها إلى القوة العسكرية. فالإعلام المهني، والتحقق من المعلومات، والقدرة على قراءة المشهد بعيداً عن الانفعال، كلها أدوات دفاع أساسية في مواجهة هذا النوع من الحروب.
في عالم تتشابك فيه السياسة بالإعلام والتكنولوجيا، لم تعد المعركة فقط بين جيوش… بل بين روايات. ومن ينجح في السيطرة على الرواية، قد يقترب كثيراً من السيطرة على نتائج الصراع نفسه.