facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الوزير الرواشدة وإعادة تعريف دور الثقافة في الأردن


د. عبدالله حسين العزام
12-03-2026 03:30 AM

يشهد الدور الثقافي للدول في العصر الحديث تحولات عميقة، فلم تعد الثقافة مجرد مجال للإنتاج الإبداعي أو النشاط الرمزي، بل أصبحت جزءاً من منظومة القوة الناعمة التي تعتمد عليها الدول في تعزيز حضورها على المستويين الداخلي والخارجي. ويشير مفهوم القوة الناعمة الذي صاغه عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي إلى قدرة الدولة على التأثير في الآخرين عبر الجاذبية الثقافية والقيمية بدلاً من أدوات القوة الصلبة التقليدية؛ وفي هذا الإطار، تتزايد أهمية المؤسسات الثقافية في الدول بوصفها فاعلاً أساسياً في إنتاج الخطاب الوطني وصياغة الروايات التاريخية التي تشكّل الوعي الجمعي للمجتمع.

في الأردن، يأتي الدور المتنامي للثقافة في سياق مشروع التحديث الشامل الذي يقوده جلالة عبدالله الثاني بن الحسين، والذي يقوم على تطوير الإدارة العامة وتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة وترسيخ قيم النزاهة والشفافية. كما يتقاطع هذا المسار مع رؤية سمو ولي العهد الحسين بن عبدالله الثاني، التي تركز على تمكين الشباب واستثمار طاقاتهم في مختلف مجالات التنمية الوطنية، بما في ذلك المجال الثقافي بوصفه أحد ميادين الإبداع والمعرفة.

ضمن هذا السياق، تقود وزارة الثقافة، منذ تولي وزير الثقافة مصطفى الرواشدة، توجهاً يسعى إلى إعادة تعريف دور الثقافة داخل المشروع الوطني للدولة، من خلال ربطها بمفاهيم الأمن الثقافي والسردية الوطنية والقوة الناعمة. فالثقافة في هذا المنظور لا تُختزل في الفعل الإبداعي، بل تحولت إلى أداة استراتيجية في حماية الهوية الوطنية وتعزيز التماسك الاجتماعي في مواجهة التحديات الفكرية والإعلامية.

أحد أهم ملامح هذه المقاربة يتمثل في المشروع الذي تعمل عليه الوزارة والمتعلق بكتابة السردية الوطنية الأردنية بالشراكة مع مؤسسات الدولة المعنية. ويُعد مفهوم السردية الوطنية أداة لإنتاج المعنى التاريخي وترسيخ شرعية الدولة الحديثة عبر بناء رواية متماسكة حول نشأتها ومسارها الحضاري. في الأردن، يكتسب هذا المشروع أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة التجربة التاريخية للدولة، وهو لا يقتصر على توثيق الماضي، بل يقدم قراءة معرفية متكاملة لمسيرة الدولة الأردنية وإبراز دورها في تحقيق الاستقرار والتنمية في محيط إقليمي مضطرب.

غير أن التحولات التي تشهدها وزارة الثقافة تمتد أيضاً إلى تطوير بنية العمل الثقافي المؤسسي عبر توجه واضح نحو مأسسة المشاريع الثقافية المستدامة ضمن الخطط التنفيذية السنوية للمديريات التابعة للوزارة. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً لأهمية الانتقال من الأنشطة الموسمية إلى برامج مؤسسية قابلة للاستمرار والتطوير.

وفي هذا الإطار، تشير التوجهات والسياسات التنفيذية إلى أن الوزارة من المرجح أن تعمل على مجموعة من المشاريع الثقافية المؤسسية على المدى والتي تشمل أسبوع التراث الرقمي الذي يهدف إلى توظيف التقنيات الحديثة في توثيق التراث الأردني وإتاحته للأجيال الجديدة عبر الوسائط الرقمية ومهرجانات أفلام الموبايل للراغبين والهواة واليافعين في صناعة المحتوى المرئي والإبداع السينمائي باستخدام الهواتف الذكية على مستوى المحافظات الأردنية ومسابقة "مقرئ الثقافة" لتلاوة وتجويد القرآن الكريم بالتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية ومديرياتها في المحافظات وبرنامج سفراء وزارة الثقافة كنواة للعمل الثقافي التطوعي في المحافظات.

كما تولي الوزارة اهتماماً خاصاً باحتضان المبادرات الثقافية الوطنية المنبثقة عن الفئات الشبابية في المحافظات، ضمن برنامج سفراء الثقافة ولا سيما تلك التي انبثقت عن طلبة الجامعات الرسمية والفاعلين في القطاع الثقافي والشبابي، بما يعكس إدراكاً لأهمية إشراك المجتمع المحلي في إنتاج الفعل الثقافي وتوسيع قاعدة المبدعين والمبتكرين.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى النجاح التنظيمي والإداري الذي يسجل للوزير الرواشدة في إدارة الفعاليات الثقافية خلال شهر رمضان الفضيل على مستوى المحافظات، حيث نجحت الفعاليات الرمضانية في الجمع بين الأبعاد الثقافية والترفيهية والدينية، مع مراعاة أعلى معايير التخطيط والتنفيذ المؤسسي، ما عزز من حضور الوزارة في المجتمع وأتاح للمواطنين المشاركة الفاعلة في الأنشطة التي تجمع بين التراث والقيم الدينية والإبداع الشبابي.

وتسهم هذه المبادرات في تعزيز القوة الناعمة للدولة الأردنية، حيث تشكل الثقافة أحد أهم أدوات التأثير الرمزي على المستويين المحلي والدولي. فالدول التي تمتلك مؤسسات ثقافية فاعلة وبرامج مستدامة تستطيع تقديم صورتها الحضارية للعالم، وتعزيز حضورها في الفضاء الثقافي الدولي.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن التحولات التي يشهدها عمل وزارة الثقافة الأردنية تعكس محاولة لإعادة تموضع الثقافة داخل بنية الدولة، بوصفها ركيزة من ركائز الأمن الثقافي الوطني وأداة من أدوات القوة الناعمة. فالثقافة هنا ليست نشاطاً هامشياً، بل مجالاً استراتيجياً يسهم في بناء الوعي الوطني، وتعزيز الهوية الأردنية، وصقل مهارات الشباب، في الوقت الذي تتزايد فيه التحديات الفكرية والإعلامية.

ختاماً يعكس ما سبق مسار عمل وزارة الثقافة منذ تولي الوزير الرواشدة منصبه، معتمداً على تعزيز وتطوير قدرات المؤسسات الثقافية واستثمار الكفاءات المهنية والوطنية، وتعزيز الشراكات مع الجامعات والمؤسسات البحثية، وتوسيع دور المراكز الثقافية في المحافظات لتصبح منصات للحراك الثقافي والمعرفي، والتي أسهمت في مجملها في دعم مشروع التحديث الوطني وبناء مجتمع معرفي متكامل يواصل الاستمرارية بثبات وانضباط واستدامة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :