هل دخلت إسرائيل مرحلة حروب الاستنزاف التاريخية؟
المحامي الدكتور هيثم عريفج
12-03-2026 11:47 AM
لم تكن الحروب يوماً غريبة عن تاريخ إسرائيل، فهي دولة قامت في الأصل ضمن سياق صراع مفتوح، واعتادت منذ تأسيسها إدارة حروب متكررة في محيط إقليمي معقد. إلا أن ما حدث بعد السابع من أكتوبر 2023 لا يشبه إلى حد كبير ما سبق من جولات عسكرية. فالحرب الحالية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية يمكن حسمها في أسابيع أو أشهر، بل تحولت إلى صراع طويل متعدد الأبعاد، يمتد أثره إلى عمق المجتمع الإسرائيلي نفسه.
وللمرة الأولى منذ عقود، يجد الكيان نفسه في مواجهة واقع استراتيجي مختلف: حرب طويلة، متعددة الجبهات، ذات كلفة اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية متصاعدة، وفي ظل بيئة دولية أكثر حساسية تجاه الانتهاكات الإنسانية والقانونية.
هذا التحول يطرح سؤالاً مركزياً: هل دخلت إسرائيل مرحلة حروب الاستنزاف التاريخية التي تختبر قدرة الدول على الصمود أكثر مما تختبر قوتها العسكرية؟
أولاً: التحدي الأمني ، نهاية نظرية الحسم السريع
لطالما قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على مبدأين أساسيين: التفوق العسكري والحسم السريع. فقد حرصت إسرائيل تاريخياً على إنهاء حروبها في أقصر وقت ممكن، وعلى نقل المعركة إلى أرض الخصم حتى لا تتحول الحرب إلى عبء طويل على الداخل الإسرائيلي.
لكن الحرب التي بدأت بعد السابع من أكتوبر كسرت هذه المعادلة. فقد تحولت العمليات العسكرية إلى صراع طويل الأمد، وأصبح الجيش الإسرائيلي مضطراً لإدارة عمليات ممتدة زمنياً، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط واستمرار التعبئة العسكرية لفترات طويلة.
إن أخطر ما في هذا الواقع هو تحول الصراع إلى حرب استنزاف. ففي مثل هذه الحروب لا يكون التفوق العسكري وحده كافياً لتحقيق النصر، بل تصبح قدرة المجتمع والدولة على تحمل الكلفة المستمرة هي العامل الحاسم. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت الضغوط على الجيش وعلى المؤسسة الأمنية، وارتفعت كلفة العمليات العسكرية واللوجستية.
ثانياً: التحدي الاقتصادي ، الحرب التي تستنزف الاقتصاد
الحروب الطويلة ليست مجرد معارك عسكرية، بل هي أيضاً معارك اقتصادية. فاستمرار العمليات العسكرية يفرض على أي دولة زيادة هائلة في الإنفاق الدفاعي، وهو ما يؤدي إلى ضغوط متزايدة على الإقتصاد وعلى الموازنات العامة.
وفي الحالة الإسرائيلية، فإن استمرار التعبئة العسكرية واستدعاء مئات الآلاف من قوات الاحتياط يؤثر بشكل مباشر على سوق العمل والإنتاج الاقتصادي. كما أن حالة عدم الاستقرار الأمني تؤثر على الاستثمار والسياحة والتجارة، وهي قطاعات تشكل جزءاً مهماً من الاقتصاد الإسرائيلي.
ومع مرور الوقت، تصبح معادلة الحرب أكثر تعقيداً، فكل يوم إضافي من الصراع يعني ارتفاعاً في الكلفة المالية، واتساعاً في العجز المالي، وزيادة الضغوط على الاقتصاد الوطني. وفي مثل هذه الظروف، لا يكون التحدي فقط هو تمويل الحرب، بل الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الوقت نفسه.
ثالثاً: التحدي الاجتماعي ، مجتمع يعيش تحت ضغط الحرب
الحروب الطويلة تترك آثاراً عميقة على المجتمعات، حتى في الدول الأكثر قوة واستقراراً. ومع استمرار التعبئة العسكرية وغياب آلاف الجنود عن أعمالهم لفترات طويلة، ومع التهديد الأمني المستمر يبدأ المجتمع تدريجياً في مواجهة ضغوط نفسية واقتصادية متزايدة.
وفي إسرائيل، تظهر هذه الضغوط في النقاشات المتصاعدة حول توزيع أعباء الحرب، وفي التوترات الاجتماعية المرتبطة بالخدمة العسكرية والاختلافات بين التيارات السياسية والدينية داخل المجتمع الإسرائيلي.
كما أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى ما يعرف في الدراسات الاستراتيجية بـ إجهاد الحرب، وهو حالة من التعب الاجتماعي والنفسي تبدأ بالظهور عندما يشعر المجتمع أن الصراع أصبح بلا نهاية واضحة أو أفق سياسي محدد.
رابعاً: التحدي السياسي ، اختبار شرعية القيادة
سياسياً، جاءت الحرب في لحظة كانت فيها إسرائيل تعيش بالفعل حالة من الانقسام الداخلي العميق. فقد شهدت البلاد قبل اندلاع الحرب احتجاجات واسعة على خلفية الخلافات حول النظام القضائي والإصلاحات الدستورية.
ومع استمرار الحرب، تزايدت التساؤلات داخل المجتمع الإسرائيلي حول طريقة إدارة الصراع وأهدافه الاستراتيجية. وفي حال استمرت العمليات العسكرية لفترة طويلة دون تحقيق نتائج واضحة، فإن ذلك قد يزيد الضغط السياسي على الحكومة الإسرائيلية ويؤدي إلى تصاعد الاستقطاب السياسي.
وفي التاريخ السياسي للدول، كثيراً ما تتحول الحروب الطويلة إلى اختبار حقيقي لشرعية الحكومات. فكلما طال أمد الحرب دون نتائج حاسمة، زادت احتمالات ظهور أزمات سياسية داخلية.
خامساً: التحدي الدولي ، ساحة القانون الدولي
ربما يكون التحدي الأكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل في المرحلة الحالية هو البعد الدولي والقانوني للحرب. فقد أصبحت الحرب في غزة محور نقاش واسع في المجتمع الدولي، مع تصاعد الاتهامات المتعلقة بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
وقد بلغ هذا الجدل مرحلة غير مسبوقة مع تحرك المحكمة الجنائية الدولية للنظر في اتهامات تتعلق بارتكاب جرائم حرب، وهو تطور يعكس تحول الصراع من مجرد مواجهة عسكرية إلى قضية قانونية وسياسية على المستوى الدولي.
فالقانون الدولي أصبح اليوم أحد ميادين الصراع الأساسية، حيث يمكن للاتهامات القانونية أن تؤثر في العلاقات الدبلوماسية، وأن تفرض قيوداً على حركة القادة السياسيين والعسكريين في الساحة الدولية.
الخلاصة: حرب قد تعيد تشكيل معادلات المنطقة
إن الحروب لا تقاس فقط بعدد الطائرات أو الدبابات أو حجم القوة العسكرية، بل بقدرة الدول والمجتمعات على تحمل كلفتها الشاملة.
وفي الحالة الإسرائيلية، يبدو أن الحرب التي اندلعت بعد السابع من أكتوبر قد فتحت مرحلة جديدة من الصراع، حيث تتداخل التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية في معادلة معقدة.
لقد اعتادت إسرائيل تاريخياً خوض حروب سريعة وحاسمة، لكن التحدي الحقيقي اليوم يكمن في التعامل مع حرب طويلة الأمد قد تتحول إلى حرب استنزاف شاملة.
وفي مثل هذه الحروب، لا يكون السؤال فقط من ينتصر في المعركة، بل من يستطيع الصمود أكثر أمام ضغوط التاريخ والسياسة والاقتصاد والمجتمع.