استحضار الثورة العربية الكبرى
د.امجد أبو جري آل خطاب
18-03-2026 12:36 AM
لم تكن الثورة العربية الكبرى حدثاً عابراً في التاريخ بل كانت مشروعاً سياسياً وحضارياً حمل رؤية عربية للتحرر وبناء الدولة. فقد انطلقت بقيادة الشريف الحسين بن علي، رحمه الله، في مواجهة واقع اتسم بالاستبداد وتجاهل تطلعات الشعوب العربية في تقرير مصيرها. كانت الثورة في جوهرها تعبيراً عن إرادة سياسية تسعى إلى قيام فضاء عربي قادر على حماية مصالحه وصون كرامة شعوبه.
ورغم أن التحولات الدولية آنذاك وما رافقها من تدخلات وتفاهمات بين القوى الكبرى، أجهضت ذلك المشروع في صورته الأولى، إلا أن فكرة الثورة لم تنطفئ. فقد بقيت روحها حاضرة في الوعي السياسي الهاشمي، بوصفها مشروعاً يقوم على الاستقلال والاعتدال وبناء التوازن في الإقليم.
واليوم وفي ظل واقع إقليمي شديد التعقيد، تعود هذه الروح إلى الواجهة بصيغة مختلفة. فالمنطقة تواجه تحديات عميقة تتداخل فيها الصراعات السياسية مع مشاريع نفوذ إقليمية متنافسة، الأمر الذي يجعل الحاجة إلى موقف عربي متماسك أكثر الحاحاً من أي وقت مضى.
وفي هذا السياق يمكن قراءة التحركات الدبلوماسية لجلالة الملك عبدالله الثاني وزياراته المتكررة لدول الخليج، حتى في أوقات تتسم بارتفاع مستوى المخاطر الإقليمية، باعتبارها محاولة لبناء أرضية مشتركة تعزز التنسيق العربي وتدفع نحو رؤية جماعية للتعامل مع التحديات الراهنة.
إن استحضار الثورة العربية الكبرى اليوم لا يعني استعادة حدثٍ تاريخي فحسب، بل استلهام فلسفتها السياسية القائمة على التضامن العربي والعمل المشترك. فالتجربة التاريخية أثبتت أن الدول العربية، حين تعمل منفردة تصبح أكثر عرضة للضغوط الخارجية، بينما يمنحها التنسيق والتكامل قدرة أكبر على حماية مصالحها وصياغة مواقف أكثر استقلالية في النظام الدولي.
إن الأردن بحكم موقعه الجغرافي ودوره السياسي وإرثه الهاشمي المرتبط بالثورة العربية الكبرى، يمتلك قدرة خاصة على الإسهام في تقريب وجهات النظر العربية وبناء مساحات مشتركة للتنسيق والعمل المشترك. كما أن الرصيد السياسي لجلالة الملك عبدالله الثاني، القائم على الاعتدال والواقعية، يمنح هذا الدور بعداً عملياً يمكن أن يسهم في تعزيز الثقة بين العواصم العربية والدفع نحو رؤية عربية أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الإقليمية.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة التفكير في مفهوم المشروع العربي، ليس كشعار عاطفي، بل كإطار عملي يقوم على التعاون الاقتصادي والأمني والسياسي بين الدول العربية، وبما يعزز الاستقرار ويحد من تأثير الصراعات الإقليمية على مستقبل المنطقة. فالعالم اليوم يتجه نحو التكتلات الكبرى ولم يعد ممكناً مواجهة التحديات المعقدة بقدرات منفردة.