وصلت الكلفة الماليّة للحرب الأميركيّة على إيران والتي بدأت في 28 شباط الماضي نحو 12 مليار دولار خلال 12 يومًا فقط، حسب ما أعلنه المستشار الاقتصادي الأعلى للرئيس الأميركي دونالد ترامب. وقال كيفن هاسيت إن الكلفة الإجماليّة للحرب ستواصل الارتفاع، لكنّه قلّل من الحاجة الوشيكة إلى تمويلٍ إضافي من الكونغرس لهذهِ الحرب التي هي الآن في أسبوعها الثالث.
الرئيس ترامب قلل من المخاوف بشأن مخزون الذخائر الأميركيّة اللازمة لمواصلة العمليات العسكريّة، فيما تشير بعض التقارير عن احتمال أن تصل حزمة تمويلٍ إضافية للحرب إلى نحو 50 مليار دولار.
وفي الوقت الذي يمارس فيه الرئيس ترامب الضغط على دول مختلفة، لإرسال سفنٍ حربيةٍ للمشاركة في حماية مضيق هرمز، دفع العديد من الدول إلى رفض الطلب الأمريكي والذي قد لا يرتبط بالسياسةِ فقط، بل أيضًا بالمخاطر العسكريّة. ضباطٌ في البحريّة الأميركيّة حذروا من أن المضيق قد يتحول إلى ما وصفوه بـ"منطقة قتل"، في حال تعرضت السفن الحربيّة لهجماتٍ بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة الإيرانيّة، في وقت تشير بعض التقارير إلى احتمال زرع إيران لألغامٍ بحريّةٍ في الممر الملاحي إلى جانب تكتيكات الهجوم بزوارق سريعة، تعرف عسكريًا باسم "أسطول البعوض"، كما تسود التحذيرات من أنّ أيّ هجوم على سفن التحالف قد يجرُ دولًا عديدة ومباشرة إلى هذهِ الحرب، وما يجعلُ مهمّة تأمين المضيق عملية معقّدة وخطيرة في آنٍ واحد.
وفي حال رفض حلفاء أمريكا طلب الرئيس ترامب المتمثل في دعوتهم للمشاركة في تحالفٍ لمرافقة السفن في مضيق هرمز الذي بات شبه متوقف منذ اندلاع الحرب؛ فإنّ ذلك ربما سيؤثر على علاقة ترامب بحلف الناتو.
كما أنّ الأمر أيضًا قد يصل بكين التي تنتظر القمّة المرتقبة بين الرئيس ترامب والرئيس الصيني، والتي من المحتمل أن تؤجل إلى موعد ثان إذا لم تساعد بكين بفتح المضيق.
اليابان هي أيضًا من الدول التي دعاها ترامب؛ لكنّها أعلنت أنّها لا تنوي القيام بعمليّة أمنيّة بحريّة رئيسيّة. فرئيسة الوزراء اليابانيّة قالت إنّها ستكون صعبة من الناحية القانونيّة؛ إذ يُعد إرسال قوات الدفاع الذاتي إلى الخارج أمرًا حساسًا سياسيًا في اليابان المسالمة رسميًا، حيث يدعم العديد من الناخبين دستور عام 1947 الذي فرضته الولايات المتحدة، والذي ينبذ الحرب. فيما رفضت أستراليا أيضًا دعوة ترامب.
من المؤكّد بأنّ كل الخيارات متاحة بالنسبة للإدارة الأميركيّة فيما يتعلق بتعنّت إيران وإعاقتها لحركة الملاحة في المضيق. وفي حال استمرت إيران حسب ما يؤكّد الرئيس ترامب بإعاقة حركة الملاحة في المضيق ربما تقدم واشنطن على احتلال جزيرة خرج ونشر قوات أميركيّة على الجزيرة الإيرانيّة المطلّة على المضيق، لحماية حركة الملاحة أثناء عبور ناقلات النفط، والتعامل مع المخاطر والتهديدات الإيرانيّة للمضيق.
جزيرة خرج هي شريان النفط وعصب اقتصاد إيران، ومنها تعبر النسبة الأكبر من صادراتها؛ فهناك تجمّع الأنابيب من حقول النفط في موقع واحد، ومن ثم تحمّل ناقلات النفط التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني.
الرئيس ترامب الذي يواصل تهديداته لدول الناتو في حال رفضت المشاركة في حماية حركة الملاحة في المضيق، ويهددها بعواقب وخيمة إذا لم يقدم حلفاء الولايات المتحدة المساعدة اللازمة لمواجهة إيران. وهو ما يثير تساؤلات حول كيفية خروج دول الناتو من هذا المأزق؟
وعلى وقع الحرب المستمرة فإنّ الصين الدولة الحليفة لإيران التي تخوضُ حربًا، وفي الوقت نفسه تجد بكين نفسها بين معادلة معقّدة، بين المكاسب السياسيّة والمخاطر الاقتصاديّة.
إنشغال الولايات المتحدة عسكريًا في الشرق الأوسط يعني عمليًا تحويل جزء من الموارد والاهتمام الاستراتيجي الأميركي بعيدًا عن آسيا، وهو ما يمنح بالطبع الصين مساحة مناورة أوسع في محيطها الإقليمي خصوصًا في بحر الصين الجنوبي وأيضًا حول تايوان.
لكن هذهِ الصورة ليست كاملة؛ فالصين هي أكبر مستوردٍ للنفط الخام في العالم، بل هي أكبر جهة تتلقى تدفقات النفط العابرة لمضيق هرمز؛ أي أنّ الاضطراب في هذا الممر الحيوي يضغط مباشرة على الاقتصاد الصيني. ولهذا بنت بكين خلال العقدين الماضيين مخزونات نفطيّة استراتيجيّة ضخمة، تقدر بين 1.2 و1.39 مليار برميل تكتفي لتغطية فترة تتراوح ما بين 100 إلى 120 يومًا من الواردات.
أمّا سياسيًا فيزداد الأمر تعقيدًا أيضًا فالرئيس الأميركي ترامب هدد بإلغاء القمّة المرتقبة مع نظيره الصيني شي جين بينغ إذا لم تلعب بكين دورًا أكبر بإنهاء إغلاق المضيق وإعادة الملاحة فيه، قبل أن يتخذ الرئيس ترامب قراره بإرجاء القمّة لمدة شهر تقريبًا تحت ذريعة مراقبة العمليات العسكريّة الدائرة في إيران.
باختصار هكذا هو موقف الصين اليوم، تستفيدُ من انشغال واشنطن بالحرب، لكنّها في الوقت نفسه تواجه اختبارًا حقيقيًا لأمنها الطاقي ودورها في الأزمة.
الصين هي أكبر مستوردٍ للطاقة في العالم، ونحو ثلث وارداتها النفطيّة يمرُّ عبّر مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات حساسيّةً في هذهِ الحرب، وأي اضطرابٍ طويل في الإمدادات أو ارتفاعٍ كبير في الأسعار قد يضغط على الاقتصاد الصيني وسلاسل الإمداد الصناعيّة.
بكين بدأت بالفعل اتخاذ إجراءات احترازيّة، ورفعت احتياطياتها النفطيّة التي تقدرُ بنحو 1.1 مليار برميل إلى 1.4 مليار برميل، وخفضت صادرات الوقود ووجهت شركات التكرير لتأمين السوق المحليّة، ومع ذلك تبقى الصين عرضة لأيّ صدمةٍ كبيرةٍ في أسواق الطاقة.
لهذا تبدو بكين اليوم في موقعٍ معقدٍ من ناحية تستفيدُ سياسيًا من إنشغال واشنطن بالحرب؛ لكنّها تخشى أن تحوّل هذهِ الحرب نفسها إلى أزمة طاقة تضرب اقتصادها.
في خضم التصعيد العسكري ضد إيران يبرز السؤال في الكواليس عن موقف روسيا من حليفتها إيران ولماذا لا تقاتل إلى جانبها؟
فعلاقة روسيا وإيران تعززت مؤخرًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وطهران كان لها الدور الأبرز في دعم موسكو ضدّ كييف، من خلال إمدادها بالطائرات المسيّرة.
"الرأي"