بين ثقل الموقع وخفّة الطرح
السفير د. موفق العجلوني
18-03-2026 04:05 AM
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الإقليمية والدولية، لم يعد الرأي السياسي ترفاً خطابياً، بل مسؤولية فكرية تتطلب عمقاً في التحليل ووضوحاً في الرؤية. فالكلمة عندما تصدر عن مسؤول سابق شغل موقعاً سيادياً في الدولة، لا تُقاس بوقعها الإعلامي فحسب، بل بقدرتها على تفسير المشهد واستشراف اتجاهاته. نشرت عمون الغراء خبراً بعنوان جودة: الحرب همّشت القضية الفلسطينية ... ونبرة أميركا تغيرت بشأن النظام الإيراني "، وذلك خلال جلسة عقدها منتدى الحموري للتنمية الثقافية يوم السبت الماضي.
وقد استوقفني حديث معالي العين ووزير الخارجية الأسبق ناصر جودة، الذي أكنّ له كل تقدير واحترام، ولا أنسى دعمه عندما كنت سفير المملكة الأردنية الهاشمية لدى جمهورية أوزبكستان في الفترة التي كان يشغل فيها منصب وزير الخارجية. غير أن عودة معاليه إلى النقاش العام بعد سنوات من الغياب شبه الكامل عن المشهد السياسي أثارت تساؤلات مشروعة حول طبيعة الإضافة التي يمكن أن يقدمها مسؤول سابق تولّى إدارة الدبلوماسية الأردنية في مرحلة مهمة.
فالشخصيات التي شغلت مواقع سيادية لا يُنتظر منها إعادة طرح العناوين العامة، بل تقديم قراءة تحليلية أعمق لما يجري في الإقليم والعالم.
لقد أشار معاليه إلى أن الصراعات الإقليمية، والحرب المرتبطة بإيران تحديداً، أسهمت في تهميش القضية الفلسطينية. وهذه ملاحظة لا يختلف عليها اثنان، لكنها لم تعد اليوم اكتشافاً سياسياً أو قراءة متقدمة للمشهد. فهي حقيقة باتت متداولة في وسائل الإعلام ومراكز الدراسات وحتى في التحليلات اليومية.
غير أن السؤال الحقيقي الذي كان ينتظر الإجابة عليه هو: كيف تُدار الحرب في غزة سياسياً على مستوى القوى الكبرى؟ وإلى أين تتجه موازين القوة في المنطقة في ظل هذا التصعيد غير المسبوق؟
فالسياسة الأمريكية اليوم، التي يقودها في وزارة الخارجية ماركو روبيو، ويترجمها في البنتاغون وزير الدفاع بيت هيغسيث، تعكس توجهاً واضحاً نحو دعم غير محدود لإسرائيل في حربها الجارية على قطاع غزة. هذا التوجه لا يقف عند حدود الإدارة الأمريكية فحسب، بل يجد دعماً قوياً داخل الكونغرس، خصوصاً لدى عدد من أبرز رموز الحزب الجمهوري، مثل السيناتور تيد كروز والسيناتور ليندسي غراهام، اللذين يقودان خطاباً سياسياً متشدداً يدفع باتجاه استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية دون سقف سياسي واضح.
وفي الجانب الآخر من المعادلة، تقود إسرائيل هذه الحرب بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية إسرائيل كاتس، ضمن رؤية سياسية وأمنية ترى أن الحسم العسكري في غزة ضرورة استراتيجية، حتى لو أدى ذلك إلى تعقيد المشهد الإقليمي وتصعيد احتمالات المواجهة الأوسع.
أما إيران، التي تمثل أحد أهم أطراف المعادلة الإقليمية، فتواصل عبر وزير خارجيتها عباس عراقجي التأكيد على أن استمرار الحرب في غزة قد يدفع المنطقة إلى مزيد من التصعيد، في ظل شبكة من التحالفات الإقليمية والتوازنات العسكرية التي تجعل من أي مواجهة واسعة خطراً قد يتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، يبرز أيضاً الدور الأمريكي داخل إسرائيل من خلال السفير الأمريكي مايك هاكابي، الذي يمثل أحد أبرز الأصوات السياسية الداعمة للرؤية الإسرائيلية داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، وهو ما يعكس حجم التداخل بين القرارين السياسي والعسكري في إدارة هذا الصراع. مقالي المنشور في عمون الغراء بتاريخ ١٤/٨/٢٠٢٥ بعنوان : " سفير واشنطن في إسرائيل .. نقطة سوداء بتاريخ الدبلوماسية الأمريكية " .
هذه هي الأسئلة الكبرى التي كان من المتوقع أن يتناولها وزير خارجية سابق يمتلك خبرة طويلة في العمل الدبلوماسي. فالمشهد السياسي في الشرق الأوسط اليوم لا يحتاج إلى توصيف عام بقدر ما يحتاج إلى تحليل استراتيجي يفسر اتجاهاته ويكشف احتمالات تطوره.
إن هذه الملاحظة لا تنطلق من باب الانتقاد الشخصي، بل من إدراك أن الكلمة عندما تصدر عن مسؤول سابق بحجم وزير خارجية تحمل وزناً سياسياً وفكرياً كبيراً. فمثل هذه المواقع تترك بصمتها في التاريخ السياسي للدول، والبصمة الحقيقية لا تقاس بعدد الظهورات في الندوات والمنتديات، بل بعمق الرؤية والقدرة على قراءة التحولات الكبرى.
والأردن اليوم يقف في قلب منطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ عقود، في ظل الحرب المستمرة في غزة، وتصاعد المواجهة الإقليمية المستعرة والتي لا احد يتنبأ بنهايتها و اثارها التدميرية على منطقة الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة و إسرائيل وإيران من جهة أخرى، وتزايد الاستقطاب داخل السياسة الأمريكية نفسها.
في المقابل، تبدو الدبلوماسية الأردنية اليوم أكثر وضوحاً في مسارها. فالنهج العام للسياسة الخارجية يقوده جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله، بينما يعمل نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي على ترجمة هذا التوجه في المحافل الدولية، من خلال حضور دبلوماسي نشط ومواقف واضحة في الدفاع عن القضية الفلسطينية والتحذير من مخاطر استمرار الحرب.
ومن هنا يصبح الفرق واضحاً بين من يتحمل اليوم مسؤولية تمثيل الدولة الأردنية في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، وبين من يكتفي بالظهور في المنتديات لإعادة طرح أفكار عامة أصبحت من البديهيات السياسية.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات الإقليمية والدولية، تبقى الدبلوماسية الأردنية بحاجة إلى عقول تحلل وتستشرف وتقدم رؤى استراتيجية، لا إلى أصوات تكرر ما أصبح معروفاً لدى الجميع.
*السفير الدكتور موفق العجلوني
مدير عام مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me