الأردن كنقطة ارتكاز: كيف تدار السياسة في عين العاصفة؟
محمد حسن المومني
18-03-2026 04:14 AM
الحروب لا تصنع التحالفات بقدر ما تكشف حقيقتها. في الاوقات الهادئة، تبدو الاصطفافات الاقليمية واضحة ومتماسكة، وكأنها بنى ثابتة لا تتغير. لكن مع تصاعد الازمات، يتضح ان كثيرا من هذه العلاقات اقل صلابة مما يعتقد، وان الدول تتحرك ضمن هوامش اوسع بكثير من البراغماتية مما تعلنه رسميا.
غير ان قراءة المشهد من زاوية " المحاور" لم تعد كافية لفهم ما يجري. فليست كل الدول عالقة بين استقطابات متقابلة، وبعضها وعلى راسها الاردن لا يتحرك بين المحاور بقدر ما يتموضع فوقها، كنقطة توازن تسعى الاطراف المختلفة الى الاقتراب منها لا استيعابها.
الاردن ليس بعيدا عن العاصفة، بل في قلبها. جغرافيا وسياسيا وامنيا، هو في تماس مباشر مع اكثر بؤر الاقليم اشتعالا. ومع ذلك، لم يتحول الى ساحة، بل حافظ على موقعه كدولة قادرة على امتصاص الصدمات وادارة التناقضات ومنع انتقال الفوضى الى داخله. هذه ليست صدفة، بل نتيجة سياسة متراكمة تقوم على التوازن الواعي لا الحياد السلبي.
هذا التوازن لا يعني الوقوف في منتصف المسافة بين الجميع، ولا توزيع المواقف بشكل متساو، بل يعني امتلاك تعريف واضح للمصلحة الوطنية، ثم بناء شبكة علاقات متعددة تخدم هذا التعريف. وهنا يكمن الفارق الجوهري… الاردن لا يوازن لانه متردد، بل لانه يعرف بدقة ما الذي يجب حمايته.
في هذا السياق، تتحول السياسة الخارجية من مجرد ادارة علاقات الى وظيفة اعمق… تثبيت الاستقرار الاقليمي عبر الحفاظ على نقطة ارتكاز موثوقة. وهذا ما يجعل الاردن مقبولا من اطراف متباينة، بل ومطلوبا كضامن ضمني لتوازنات حساسة.
لكن هذا النموذج، رغم نجاحه، يواجه اليوم اختبارا اكثر تعقيدا. فالاقليم لا يعيد ترتيب تحالفاته فقط، بل يعيد تشكيل بنيته بالكامل. تراجع ادوار تقليدية كانت فاعلة، وصعود قوى اخرى بشكل اكثر اندفاعا، وتمدد نفوذ عسكري وسياسي افقي في اكثر من ساحة، كلها عوامل تغير قواعد اللعبة.
في هذا التحول، لا يكفي الحفاظ على التوازن بصيغته السابقة، بل يصبح من الضروري اعادة فتح بعض الملفات التي اغلقت، واعادة تقييم مواقع التموضع، خصوصا في العمق العربي. ليس بوصفه خيارا عاطفيا، بل باعتباره ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات الجارية.
فالارتكاز لا يعني الثبات الجامد، بل القدرة على اعادة ضبط الموقع بما يحفظ الدور. واذا كان الاردن قد نجح في تثبيت نفسه كنقطة توازن، فان التحدي الان هو الحفاظ على هذه المكانة في بيئة تتغير بسرعة، حيث لم يعد يكفي ان تكون مقبولا من الجميع، بل ان تكون ضروريا لهم.
ما يحمي الدولة في لحظات كهذه ليس الضجيج السياسي، ولا استعراض المواقف، بل وضوح الرؤية. وضوح في ان الامن الوطني اولوية لا تقبل المقايضة، وضوح في ان السيادة ليست مساحة تفاوض، وضوح في ان العلاقات الخارجية اداة لتعزيز الاستقرار لا مدخلا للتوريط.
في النهاية، ليست المسألة ان تتحرك الدولة بين التحالفات، بل ان تكون نقطة لا تستطيع هذه التحالفات تجاوزها. قد لا يبدو هذا الخيار الاكثر اثارة، لكنه بالتأكيد الاكثر عقلانية، والاكثر ضمانا لبقاء الدول.