هل سنشهد ولادة مديرية مكافحة المخدرات؟!
محمود الدباس - أبو الليث
19-03-2026 01:15 PM
على غير عادتي.. سأكتب بشكرٍ مباشر.. دون توريةٍ ولا طباقٍ ولا جناس.. فما حدث يوم أمس.. لا يترك لنا المجال للبلاغة.. بل يضعنا جميعاً أمام مرآةٍ لا ترحم.. كلٌّ حسب موقعه.. وكلٌّ بقدر مسؤوليته..
ففي أيامٍ فضيلةٍ مباركة.. ترتفع فيها الدعوات.. وتلين فيها القلوب.. ارتفعت أرواحٌ طاهرة.. لتقول لنا إن هذا الوطن لا يُحمى بالشعارات.. بل بالدم..
رحم الله رجالاً خرجوا ليحفظوا أمننا.. فعادوا إلى ربهم شهداء.. وطيب الله أرضاً ارتوت بدمائهم الزكية.. ولعنة الله على كل من أراد.. أو يريد.. سوءاً بأردننا العزيز..
ما حدث.. لم يكن حادثةً معزولة.. بل لحظة كاشفة.. تقول إننا أمام عدوٍ لا يُشبه ما اعتدنا عليه.. عدوٍ لا يحمل سلاحاً فقط.. بل يحمل فكراً مستعداً للقتل.. حين يشعر أن نهايته اقتربت.. وهنا تحديداً.. لا يعود السؤال كيف نُداهم؟!.. بل مَن الذي يداهم؟!.. وبأي عقليةٍ.. وبأي تدريب.. وبأي بروتوكول لا يعرف الاستثناء..
هناك فرقٌ لا يجوز أن نغفل عنه.. بين رجل أمنٍ فُرض عليه الموقف في لحظةٍ طارئة.. فتصرف بما يملك من شجاعةٍ وخبرة.. وبين قوةٍ تتجه نحو هدفٍ تعرف مسبقاً أنه خطر.. وأن خلف بابه احتمال رصاصة.. لا احتمال استسلام..
في الحالة الأولى.. الموقف يفرض نفسه.. وفي الثانية.. نحن مَن يذهب إليه بكامل إرادتنا.. فهل يُعقل.. أن نذهب إلى الخطر.. دون أن نكون نحن أعلى منه استعداداً ودهاء؟!..
المطلوب هنا ليس شجاعةً فقط.. بل تخصص.. تدريبٌ عالٍ.. بروتوكول صارم لا يُكسر.. ولا يُجامل.. ولا يُستثنى منه أحد.. لأننا لا نُداهم شخصاً عادياً.. بل مَن باع ضميره قبل أن يبيع السم للناس..
فهل نتوقع ممن يتاجر بالموت.. أن يستقبل مَن يريد القبض عليه بابتسامة استسلام؟!.. لأن أخطر ما يمكن أن نواجهه في هذه المعركة.. ليس سلاح المجرم.. بل افتراضنا المسبق.. بأنه لن يستخدمه..
وحتى لو كان كثير منهم لا يميلون للعنف.. فمن يضمن لنا.. أن لا نواجه في كل مرة.. نسخةً من هذا المجرم.. الذي لوّث يديه بالسم.. ثم لم يتردد أن يلوّثهما بالدم الزكي؟!..
ثم إن الخطر لم يعد كما كان.. لم يعد شحنةً تُخفى في مركبة.. أو صفقةً تتم في حارة مظلمة.. بل أصبح شبكةً تستخدم التكنولوجيا.. وتستفيد من كل وسيلةٍ حديثة.. حتى تلك التي وُجدت لتوصيل حاجيات الناس.. تحولت عندهم إلى أدوات توزيعٍ سريعة.. ذكية.. يصعب تتبعها دون عقولٍ متخصصة..
نحن أمام اقتصادٍ خفي.. يتحرك بمرونة.. ويتطور بسرعة.. ويعرف كيف يسبق أحياناً خطوات الملاحقة.. فهل يُواجه هذا بعقلٍ تقليدي؟!.. أم بجهازٍ يرى الصورة كاملة.. من أول الخيط.. حتى نهايته؟!..
هنا.. لا يبدو الحديث عن مديرية مكافحة المخدرات خياراً إدارياً.. بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة..
مديريةٌ لا تكون مجرد اسم.. بل منظومة متكاملة.. فيها عقلٌ استخباري.. وذراعٌ تقني.. ووحدة مداهمةٍ عالية الكفاءة.. تعمل وفق معايير لا تقبل الاجتهاد في لحظة الخطر.. لأن تعقيد الخطر.. لا يُواجه إلا بتعقيدٍ موازٍ في أدوات مكافحته..
أما العقوبة.. فهي الجدار الأخير الذي إن لم يكن صلباً.. انهارت كل الجهود قبله..
فلم يعد مقبولاً.. أن يُسجن التاجر والمروج سنوات.. ثم يخرج ليجد أمواله.. وعقاراته.. وشبكته.. بانتظاره.. كأن شيئاً لم يكن..
الردع الحقيقي.. لا يكون بحرمانه من حريته فقط.. بل بحرمانه من كل ما جمعه من هذا الطريق.. وهنا يجب أن يُفعل مبدأ مصادرة عائدات الجريمة.. لا فقط ما تم ضبطه لحظة القبض.. بل كل ما يثبت أو يُشتبه أنه نتاج هذا النشاط.. وأن يُقلب عبء الإثبات.. فيُسأل.. من أين لك هذا؟!..
ولا يقف الأمر عنده.. بل يمتد لكل مَن تدور حوله الشبهات.. من أصولٍ وفروع.. مع ضمان عدالةٍ لا تظلم بريئاً.. لكنها أيضاً لا تترك باباً للتحايل..
نحن لا نبحث عن تصعيدٍ في الكلمات.. بل عن تصحيحٍ في المسار..
فشلال الدم الزكي الذي سقط.. لا يحتاج إلى رثاءٍ.. بقدر ما يحتاج إلى قرار.. قرارٍ يقول إننا فهمنا الدرس.. وأننا لن نُرسل رجالنا مرةً أخرى إلى معركةٍ غير متكافئة أخلاقياً..
وأن هذا الوطن.. الذي يُكتب تاريخه بدم أبنائه.. يستحق أن نحميه بعقولٍ تسبق الخطر.. لا تلاحقه..
فهل سنشهد ولادة مديريةٍ تُدير هذه الحرب كما يجب؟!..
أم سنبقى نُسمي الأشياء بأسمائها القديمة.. بينما هي تتغير من حولنا كل يوم؟!..