facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مضيق هرمز: الشريان الذي يخنق العالم


الدكتور قيس علي محافظة
19-03-2026 02:34 PM

قبل نحو تسعة أشهر، طرحتُ في مقال بعنوان «ماذا لو أغلقت إيران مضيق هرمز؟» سؤالاً بدا في حينه أقرب إلى فرضية تحليلية تنتمي إلى أقصى حالات التصعيد، لكنه في جوهره لم يكن سوى محاولة لقراءة الاتجاه الذي قد تسلكه التوازنات الدولية في منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا مع السياسة، وتُختبر فيها حدود القوة عبر ممرات ضيقة تتحكم بمصير اقتصاد عالمي بأكمله.

ذلك الممر البحري الذي لا يتجاوز عرضه في بعض نقاطه 33 كيلومتراً، لم يكن يوماً مجرد طريق لعبور السفن، بل شرياناً حيوياً يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، ما جعله على الدوام أحد أهم مفاتيح الاستقرار الاقتصادي الدولي، وفي الوقت ذاته أحد أخطر نقاط الاختناق التي يمكن أن تتحول، في لحظة توتر، إلى أداة ضغط استراتيجية تتجاوز حدود المنطقة إلى العالم بأسره.

اليوم، ومع تصاعد وتيرة الحرب في الإقليم، واتساع نطاق الاشتباك بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد ذلك السؤال الذي طرحناه سابقاً مجرد احتمال نظري، بل أصبح أقرب إلى توصيف مبكر لواقع يتشكل أمامنا تدريجياً، إذ إن ما يجري في مضيق هرمز لم يصل بعد إلى الإغلاق الكامل، لكنه تجاوز مرحلة التهديد إلى استخدام فعلي أكثر تعقيداً ومرونة لهذا الممر الحيوي.

فإيران، كما يبدو من سلوكها الحالي، لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بشكل شامل حتى تحقق تأثيراً عميقاً في الأسواق العالمية، بل يكفي أن تجعل المرور فيه محفوفاً بالمخاطر، وأن ترفع كلفة التأمين والشحن، وأن تُدخل الملاحة في حالة من التردد والبطء، حتى يتحقق الأثر الاقتصادي والنفسي المطلوب دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

وهنا تتضح المفارقة التي حاولنا الإشارة إليها منذ البداية: إن أخطر ما في مضيق هرمز ليس إغلاقه، بل القدرة على تعطيله دون إغلاقه.
فالإغلاق الكامل يمثل لحظة انفجار قد تدفع الجميع إلى الحرب، أما التعطيل الجزئي فهو حالة استنزاف طويلة الأمد، تُربك الأسواق، وتضغط على الدول المستهلكة، وتخلق حالة من عدم اليقين المستمر، دون أن تُجبر الأطراف على الانخراط الفوري في مواجهة شاملة.

لقد تحوّل المضيق، بهذا المعنى، إلى ساحة حرب من نوع مختلف؛ حرب تُدار فيها التوقعات قبل التحركات، وتُصنع فيها الأزمات عبر التهديد بقدر ما تُفرض بالقوة، وتتحرك فيها الأسعار بسرعة تفوق تحرك الجيوش، ويُقاس فيها النفوذ بمدى القدرة على التأثير دون الانفجار.

وما يزيد من خطورة هذا التحول أن الاقتصاد العالمي اليوم أكثر هشاشة مما كان عليه قبل سنوات، فآثار جائحة كورونا لا تزال حاضرة، وسلاسل التوريد لم تستعد توازنها الكامل، والحرب في أوكرانيا كشفت عمق الترابط بين الطاقة والغذاء والأسواق، ما يجعل أي اضطراب - وإن كان محدود - في هذا الشريان الحيوي قادراً على إحداث موجات ارتدادية تمتد من أسعار النفط إلى تكاليف النقل، ومن التضخم إلى الاستقرار الاقتصادي في مختلف دول العالم.

وفي الوقت الذي تتجه فيه بعض الدول إلى البحث عن بدائل، سواء عبر خطوط أنابيب برية أو ممرات اقتصادية جديدة تربط آسيا بأوروبا، فإن هذه البدائل - على أهميتها - لا تزال غير مكتملة، ولا تملك القدرة في المدى القريب على تعويض الدور المحوري لمضيق هرمز، وهو ما يبقي العالم عملياً مرتبطاً بهذا الممر الضيق أكثر مما ينبغي، وأكثر عرضة لتقلباته مما يُفترض.

وفي ظل هذه المعطيات، لا يبدو أن المشهد في مضيق هرمز يتجه نحو مسار واحد بقدر ما يتحرك ضمن نطاق متدرج من الاحتمالات التي تتبدل وفق إيقاع التوتر، حيث يبقى المضيق مفتوحاً شكلياً لكنه عملياً محكوماً بمستويات مرتفعة من المخاطر وكلفة التأمين، في حالة يمكن وصفها بـ«الفتح المقيّد»، وهي حالة كفيلة بإبقاء الأسواق في توتر دائم دون الوصول إلى الانفجار، غير أن هذا التوازن الهش قد يتآكل تدريجياً مع اتساع رقعة الاحتكاك أو ارتفاع وتيرة الاستهداف، ما قد يقود إلى اضطراب أعمق في الملاحة وارتفاعات حادة في أسعار الطاقة، وربما يفتح الباب أمام تدخلات دولية أكثر مباشرة لضمان استمرار التدفق، وفي المقابل يبقى احتمال الانزلاق إلى شلل شبه كامل أو إغلاق فعلي قائماً وإن كان أقل ترجيحاً، لكنه في حال حدوثه سيشكل نقطة تحول كبرى تنقل الصراع إلى مستوى مختلف تماماً، في حين يظل احتمال التهدئة الجزئية أو التفاهمات غير المعلنة قائماً أيضاً، بحيث يُعاد ضبط إيقاع المرور دون معالجة جذور الأزمة، ليبقى المضيق معلقاً بين الانفراج والانفجار، والاستقرار المؤقت والهش.

وفي ختام هذه القراءة، يبدو أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الدولي على إدارة الأزمات في عالم مترابط، إذ يكفي أن يضطرب هذا الشريان حتى تتكشف حدود القوة، وتظهر هشاشة الاقتصاد العالمي، ويصبح الأمن الطاقي مسألة سياسية بامتياز، ولذلك فإن السؤال لم يعد: هل يمكن إغلاق المضيق؟ بل: إلى متى سيبقى العالم قادراً على تحمل كلفة بقائه مفتوحاً تحت التهديد؟.

*المحامي الدكتور قيس محافظة – أستاذ القانون التجاري- الجامعة الأردنية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :