facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




فتوى سياسية عالقة بين النص والإجتهاد


د. جهاد يونس القديمات
12-03-2026 03:28 PM

في أوقات الأزمات السياسية والحروب، يكثر الحديث باسم الدين، فتظهر فتاوى متعددة وأحيانا متعارضة، وكل طرف يقدم رأيه وكأنه يستند إلى أدلة واضحة من القرآن والسنة، والغريب أن الجميع قد يستخدم النصوص نفسها، ومع ذلك يصل إلى نتائج مختلفة تماما.

هذا المشهد يدفعني إلى تساؤل بسيط ومهم: كيف يمكن للنص الواحد أن يقود إلى مواقف متناقضة؟، الجواب في الغالب لا يتعلق بالنصوص نفسها، فالنصوص الدينية معروفة وثابتة، وإنما يتعلق بطريقة فهمها وترتيبها، فالمفتي، مهما بلغ علمه وحرصه يبقى إنسانا يعيش داخل مجتمع معين، ويتأثر بظروفه السياسية والإجتماعية وبما يراه من مصالح أو مخاطر تحيط ببلده أو أمته، لذلك قد يميل أحيانا إلى قراءة النصوص بطريقة تنسجم مع هذه الظروف، عند هذه النقطة تبدأ ظاهرة يمكن ملاحظتها بوضوح في الخطاب الديني السياسي: انتقاء النصوص، فتبرز بعض الأدلة لأنها تدعم موقفا معينا بينما تترك نصوص أخرى جانبا لأنها قد تعطي صورة مختلفة، فيظهر المشهد وكأن النصوص كلها تؤيد موقفا واحدا، بينما الحقيقة أن الصورة الكاملة أوسع من ذلك.

التراث الفقهي الإسلامي واسع جدا، وفيه آراء واجتهادات متعددة نشأت عبر قرون طويلة، وهذا الاتساع يمنح الفقه مرونة كبيرة في التعامل مع الواقع، لكن هذه المرونة نفسها قد تساء أحيانا عندما تستخدم النصوص أو الأقوال الفقهية لتبرير موقف سياسي جاهز مسبقا، بدل أن تكون النصوص هي التي توجه الموقف وتضبطه.

في هذه الحالة لا يكون الخلاف الحقيقي في صحة الأدلة، فكثير من الأدلة التي تذكر صحيحة فعلا، لكن الخلاف يظهر في ترتيب الأولويات: أي القواعد تقدم؟، وأي المقاصد تكون أرجح؟، وأي النصوص يجب أن تكون حاكمة في مثل هذه الظروف؟.

من هنا نفهم لماذا قد تتغير بعض الفتاوى السياسية مع تغير الظروف؟، فالموقف الذي يرفض في ظرف معين قد يقبل في ظرف آخر، وهذا جزء من طبيعة الإجتهاد البشري، لأن الإجتهاد يتأثر بالواقع وبطريقة قراءة ذلك الواقع، لكن المشكلة تظهر عندما يقدم هذا الإجتهاد البشري على أنه الحكم الديني النهائي الذي لا يقبل النقاش، فعندها يتحول الخلاف السياسي إلى خلاف ديني حاد، ويشعر الناس أن الدين نفسه أصبح طرفا في الصراع.

مع تكرار هذه الحالة، قد يفقد بعض الناس ثقتهم في الخطاب الديني، لأنهم يرون النص الواحد يستخدم لتبرير مواقف متضادة، فيتساءلون: أين الثابت؟، وأين الاجتهاد؟، وأين حدود الرأي البشري؟، لهذا السبب تبدو الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى قدر أكبر من الوضوح والصدق في الخطاب الديني السياسي، فمن حق المفتي أن يجتهد، ومن حقه أن يعبر عن فهمه للنصوص، وأن يقدم رأيه في القضايا العامة، لكن من الأمانة العلمية والشرعية أيضا أن يبين للناس أن ما يقدمه هو اجتهاد بشري وفهم للنصوص، وليس الدين نفسه في صورته المطلقة، فالدين أوسع من رأي واحد، والنصوص أعمق من تفسير واحد، وتاريخ الفقه الإسلامي مليء بالاختلافات والاجتهادات التي تعايشت قرونا طويلة دون أن تتحول إلى صراع، فعندما يوضح المفتي هذه الحقيقة للناس، فإنه يحافظ على مكانة الدين ووقاره، ويضع الفتوى في إطارها الطبيعي بوصفها إجتهادا إنسانيا يسعى إلى فهم النص وتطبيقه على الواقع، وبهذا يصبح النقاش أكثر هدوءا وموضوعية، ويظل الدين مرجعية أخلاقية عليا، لا أداة تستخدم في صراع المواقف السياسية.

jehadhr@gmail.com





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :