نتانياهو .. هل أصبحت فكرة تفضيل جنكيز خان على السيد المسيح قابلة للنقاش؟
سمير حمدان - بودابست
21-03-2026 01:08 PM
حين تُستدعى القوة لتُحاكم الأخلاق… ويسقط المعنى بين المسيح وجنكيز خان
الجملة التي كشفت أكثر مما قالت
ليست المشكلة في جملة قيلت في مؤتمر صحفي، بل في العالم الذي أصبحت فيه هذه الجملة ممكنة، وحين يُزج باسم السيد المسيح إلى جانب جنكيز خان في مقارنة واحدة، فنحن لا نكون أمام تحليل تاريخي بل أمام لحظة كاشفة تقول إن شيئًا ما في ميزان القيم قد اختل، وأن السياسة لم تعد تكتفي بتبرير القوة بل بدأت تعيد تعريف الأخلاق نفسها.
عندما تتكلم القوة بلا قناع
ما صدر عن بنيامين نتنياهو، سواء قُدّم كاقتباس أو كفكرة فلسفية، ليس معزولًا عن سياق أوسع، بل هو امتداد لرؤية ترى أن العالم لا يحترم إلا الأقوياء، وأن العدالة وحدها لا تحمي أصحابها، وأن البقاء ليس للأكثر حقًا بل للأكثر قدرة على فرض نفسه، وهذا المنطق، وإن لم يكن جديدًا، فإنه نادرًا ما يُقال بهذه الصراحة، لأن السياسة اعتادت أن تُخفي قسوتها خلف مفردات الأمن والضرورة، أما هنا فقد انكشف الخطاب من داخله وأصبح أقرب إلى اعتراف مباشر بأن الأخلاق لا تكفي.
مقارنة تُلغي الفرق بين الرحمة والدم
وضع السيد المسيح، رمز الرحمة والتضحية، في ميزان واحد مع جنكيز خان، رمز الفتح الدموي، ليس طرحًا فكريًا بل تشويه للمعنى، لأن هذه المقارنة لا تبحث في التاريخ بل تعيد صياغته بمنطق واحد مفاده أن من انتصر عسكريًا هو من يستحق أن يُقاس به، وهذا المنطق، لو أُخذ على محمل الجد، يُسقط كل ما بنته الإنسانية عبر قرون، لأنه يساوي بين من دعا إلى كسر دائرة العنف ومن جعل العنف وسيلة حكم، وبين من غيّر الوعي ومن غيّر الخرائط، وهذه ليست مقارنة بل إهانة لفكرة الإنسان نفسها.
حين يُستدعى ديورانت… ويُساء فهمه
عندما يُستدعى Will Durant في هذا السياق، لا يكون الأمر مجرد اقتباس عابر، لأن ديورانت ليس كاتباً عادياً، بل أحد أهم من حاولوا فهم كيف تتحرك الحضارات، ولماذا تنتصر أو تنهار، وعندما يُطرح اسمه فأنت لا تستدعي جملة، بل تستدعي فلسفة كاملة حول العلاقة المعقدة بين القوة، الأخلاق، والدولة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يُستخدم هذا الفهم خارج سياقه، لأن ديورانت لم يكن يبرر انتصار القوة بقدر ما كان يفسّره ويحذّر من نتائجه، وهنا يظهر الانزلاق، حين تتحول قراءة فلسفية للتاريخ إلى أداة سياسية لتبرير الواقع، ويصبح استناد بنيامين نتنياهو إلى هذا النوع من الأفكار ليس توضيحاً، بل إعادة توظيف، ليس لفهم كيف تتحرك الحضارات، بل لتبرير كيف يجب أن تتحرك اليوم، والفرق بين الاثنين هو الفرق بين تفسير القوة… وتبريرها.
نتانياهو شخص مطلوب القبض عليه بالمحافل الدولية كمجرم حرب لمحكمة العدل الدولية
حين تصدر هذه اللغة عن قائد عادي يمكن التعامل معها كفكرة قابلة للنقاش، لكن حين تصدر عن بنيامين نتنياهو فإنها تُقرأ في سياق مختلف، سياق رجل أصبح اسمه حاضرًا في نقاشات دولية حول جرائم حرب وتُطرح سياساته ضمن ملفات قانونية تُناقش في المحافل الدولية، وهنا لا تكون الكلمات مجرد رأي بل انعكاسًا لنهج، لأن من يتحدث عن القوة بهذا الشكل لا يفعل ذلك في فراغ، بل في لحظة تُختبر فيها قراراته على الأرض وتُقاس آثارها على شعوب كاملة، وهذا ما يجعل الجملة أخطر من مجرد تصريح، لأنها تُفهم كتبرير ضمني لا كتحليل مجرد.
الغضب ليس دينيًا بل أخلاقيًا
ردود الفعل التي وصفت هذه المقارنة بأنها مسيئة لم تكن مجرد حساسية دينية، بل رفضًا لفكرة أن يُعاد ترتيب القيم بهذه البساطة القاسية، لأن ما يُطرح هنا لا يمس رمزًا دينيًا فقط بل يمس الفكرة التي يقوم عليها أي نظام أخلاقي، وإذا أصبح من المقبول أن يُقاس الخير بقدرته على الانتصار فإن كل شيء يصبح قابلًا للتبرير، وهنا لا يعود السؤال من هو الأفضل، بل ما إذا كان هناك معنى أصلًا لكلمة أفضل.
عالم يُعاد تعريفه بالقوة
نحن لا نعيش فقط حروبًا على الأرض بل حروبًا على المفاهيم، حيث تُعاد صياغة اللغة لتخدم الواقع، وتُستخدم الفلسفة لتخفيف وطأة القرار، وتُطرح المقارنات الصادمة لتهيئة العقول لقبول ما كان مرفوضًا، وفي هذا العالم لا تُستخدم الكلمات لوصف الحقيقة، بل لإعادة تشكيلها.
التاريخ الذي يُحرج من يستخدمه
التاريخ الذي يُستدعى لتبرير انتصار القوة يقدّم في الوقت نفسه حكمًا معاكسًا، لأن الإمبراطوريات التي قامت على العنف سقطت مهما بدت قوية، بينما الأفكار التي بدت ضعيفة في لحظتها استمرت لأنها لم تعتمد على الخوف، جنكيز خان غيّر العالم بالقوة لكن عالمه لم يبقَ، أما السيد المسيح فلم يغيّر العالم بالسيف ومع ذلك بقي تأثيره حيًا في ضمير الإنسانية، وإذا كان معيار الأفضل هو البقاء فإن المقارنة نفسها تفقد معناها.
حين تصبح القوة معيار الحقيقة
الخطر الحقيقي ليس في الجملة، بل في أنها أصبحت قابلة للتداول دون صدمة كافية، لأن ذلك يعني أن العالم بدأ يتقبل فكرة أن القوة يمكن أن تكون معيارًا للحقيقة لا مجرد أداة لحمايتها، وهنا يتحول الانزلاق من سياسي إلى حضاري.
السؤال الذي لا يريد أحد مواجهته
ليست المشكلة أن تُطرح مقارنة بين المسيح وجنكيز خان، بل أن تبدو هذه المقارنة قابلة للنقاش، لأن العالم الذي يسمح بذلك هو عالم بدأ يفقد قدرته على التمييز بين القوة والمعنى، بين الانتصار والحق، بين ما يفرض نفسه وما يستحق أن يبقى.
في لحظة كهذه، لا تكون الأزمة في جملة، بل في عصر كامل بدأ يقتنع بها .