الكرامة هي الأم
المحامي الدكتور هيثم عريفج
21-03-2026 01:14 PM
معركة الكرامة ليست مجرد ذكرى نصر نمرّ عليها كل عام، ولا مجرد محطة وطنية نستعيد فيها مشاهد البطولة والفداء، بل هي معنى عميق يبدأ من البيت قبل أن يظهر٧ في الميدان، ويتشكل في وجدان الإنسان قبل أن يُكتب في صفحات التاريخ.
إن القول إن الكرامة هي الأم ليس تعبيرًا مجازيًا ، بل حقيقة وطنية وإنسانية؛ لأن الأم هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى العزة، والصبر، والانتماء، والوفاء، والإيمان بأن الأوطان لا تُصان بالضعف، ولا تُحمى باليأس، ولا تُبنى بالهزيمة النفسية.
فالأبطال الذين دافعوا عن الوطن، وصنعوا مجده، لم يهبطوا من فراغ، بل خرجوا من رحم بيوت ربّت، وأمهات آمنّ، وقلوب غرست في أبنائها أن الوطن ليس مجرد أرض، بل كرامة وهوية ورسالة.
من هنا، فإن أعظم ما يمكن أن نستخلصه من ذكرى الكرامة اليوم هو أن النصر لا يولد فجأة، ولا تصنعه الصدفة، بل تسبقه تربية طويلة على الثقة بالنفس، والإيمان بالحق، والاستعداد للتضحية، والقدرة على الصمود.
إن أخطر ما يواجه أوطاننا اليوم ليس قوة الخصوم، بل محاولة زرع الهزيمة في داخلنا، وإقناعنا بأن العدو يملك القوة المطلقة التي لا تُقهر، وأن النتيجة دوما محسومة سلفًا.
هذه أخطر أدوات الحرب النفسية؛ لأنها تستهدف العقول قبل الجبهات، والإرادة قبل المواجهة. يريدون لنا أن نؤمن أن لا جدوى من الصمود، وأن لا معنى للعمل، وأن التفوق المادي وحده يكفي لفرض المصير. لكن التاريخ لا تصنعه القوة العارية ، بل تصنعه الشعوب التي تؤمن بنفسها، وتتمسك بحقها، وتعرف أن الإرادة الواعية قادرة على كسر المعادلات التي تبدو مستحيلة.
من هنا، فإن واجبنا الحقيقي اليوم هو أن نربي جيلاً لا يخاف من التحديات، ولا ينخدع بوهم القوة المطلقة للعدو، ولا يستسلم لفكرة أن الهزيمة قدر. نحن بحاجة إلى جيل يؤمن أن النصر لا يأتي بالشعارات، بل بالعمل والعلم والانضباط والثقة بالقدرة الوطنية.
جيل يعرف أن بناء الوطن لا يكون فقط في ميادين القتال، بل أيضًا في المدرسة، والجامعة، والمختبر، والمؤسسة، وفي كل مساحة يتحول فيها الإيمان بالوطن إلى إنجاز حقيقي.
هذا الجيل لا يمكن أن يولد في بيئة ممزقة أو في مجتمع تفتك به خطابات الكراهية والتطرف. فالتطرف، مهما تستر بالشعارات، كان دائمًا سلاحًا موجّهًا إلى صدورنا ، يبدد طاقاتنا، ويقسم مجتمعاتنا، ويضعف مناعتنا، ويمنح أعداءنا ما لم يستطيعوا انتزاعه بالقوة.
التطرف لا يبني وطنًا، ولا يصنع نصرًا، بل يزرع الخوف والانقسام، ويحوّل الاختلاف إلى صراع، والتنوع إلى تهديد، والوطن إلى ساحة استنزاف داخلي.
الإيمان بالنصر يبدأ من الإيمان بالوحدة، وقبول الجميع، واحترام التنوع، وترسيخ فكرة أن الوطن يتسع لكل أبنائه، وأن قوته الحقيقية في تماسكه لا في تمزقه.
الأمة التي تريد النصر حقًا لا تربي أبناءها على الغضب الأعمى، بل على القوة الواعية؛ لا تزرع فيهم الكراهية، بل الثقة؛ لا تدفعهم إلى التطرف، بل إلى الإيمان بأن العلم والعمل والوحدة هي الطريق الحقيقي للنهضة.
وهنا تعود الأم إلى قلب المشهد، لأنها ليست فقط من تنجب الأبطال، بل من تصنع وعيهم الأول، وتشكّل وجدانهم الوطني، وتزرع فيهم أن الكرامة ليست كلمة تُقال، بل قيمة تُعاش.
أعظم وفاء لمعركة الكرامة لا يكون في تمجيد الماضي فقط، بل في صناعة المستقبل على أساسها. مستقبل يحمله جيل مؤمن أن النصر ممكن، وأن الوطن يستحق، وأن العدو مهما امتلك من أدوات القوة ليس قدرًا محتومًا، وأن الأمة التي تربي أبناءها على الإيمان، والعمل، والعلم، والوحدة، لا يمكن أن تُهزم. وعندها فقط نفهم المعنى الأصدق الكرامة هي الأم، لأن الأم هي التي تزرعها في القلوب، وتورثها للأجيال، وتبقي الوطن عزيزًا مهما اشتدت التحديات.